لكثرتهم الكاثرة اللحود ، وقطّ الهام « 1 » ، وفرى الأجسام .
وحين تستبطن سلوكه فيهم تجده موكلًا بالآجال . . . وحين تراه بأعينهم فإنّه صنو عزرائيل .
وفي كلّ معمعةٍ تتعثّر دون غايتها الأقران ، أو تنذر بغير ما تهفو إليه الآمال ، يقدّمه الرسول ليقود الصفوف . . . فإذا هو صاحب الحتوف ! وإذا الغلبة له لزام ! وإذا القضاء على الكائدين للإسلام صلاة وقيام .
وهل كان شيء أحبّ إلى المؤمنين من اجتباء النبي عليّاً كلّما حزب حازب ، وبدرت محنة تهم أن تنوش الدين ؟
أو كان أحد أنعم بالًا من الزهراء بهذا الاجتباء ؟
بل كانت دائماً حريّة بأن تتوقّع دائماً أن يكون زوجها مناط الاختيار .
ذلك لأنّه الأخلق في الأشباه أن يدير الرحى حتّى تطحن أولياء الشيطان إن كان ثمّة له في ساحات الصيال أشباه .
ولأنّ اختصاص الرسول إيّاه - من بين تلامذته وأصحابه - لمثل تلك المدلهمّات « 2 » ، هو أدقّ اختصاص ، وألزم انتقاء ، لأنّه بوحي السماء ، فما ينطق عليه الصلاة والسلام عن هوىً أوميلٍ خاصّ ، وما كانت له الخيرة من دون اللَّه ، وما يقول أو يفعل إلَّابقضاء .
وقد وافقت الحوادث دقّة الاختيار .
وتعال فانظره - عقب الخندق - وأهل الشرك وحلفاؤه يفرّون مذعورين أمام جنود ربك - من رياح عواصف ، ورعود قواصف ، وأمطار جائحة كطوفان نوح - يأمر مؤذّنه فينادي في المسلمين : « من كان سامعاً مطيعاً ، فلا يصلينّ العصر إلَّافي بني قريظة » « 3 » .
هامش
( 1 ) . الهام : جمع هامة ، وهي الرأس .
( 2 ) . المدلهمّات : الصعاب المظلمة .
( 3 ) . البداية والنهاية 4 : 118 ، 119 ، وانظر كتب السيرة النبوية ، فصل غزوة بني قريضة .