وارتهب المسلمون النتيجة .
لكنّ الزهراء ، فيما أحسب ، وفيما هو بها خليق ، لم تكن لترتهب ، وهي تدرك أنّ دعوة أبيها لابدّ بالغة عرش اللَّه .
وفيم خوفها على زوجها وهي تعلم أنّ مصارع النخبة من صناديد الذين كفروا معلّقة بذؤابة سيفه ، وثمّة ما زال يرنّ في أُذنيها ذلك الصوت الذي هَتَف به يوم بدر من أعلى علّيّين ملك كريم ، يقول :
« لا سيف إلَّاذو الفقار ، ولا فتى إلَّاعلي » « 1 » .
وها هو السيف !
وها هو الفتى !
وها هو النصر يكاد يتراءى لمن استضاءت قلوبهم بنور الإيمان !
وتدانى الغريمان . . . فأمّا عمرو بن عبد ودّ فقد أبى عليه سدوره في غلواء الغرور إلَّا أن يعجب كيف يجترئ عليه هذا الفتى الطريّ العمر ، فاقتحمه بنظرة استعلاء ، وسأله باستهزاء : من أنت ؟ قال المناجز الصغير : « أنا علي بن أبي طالب » .
فتظاهر بالرقّة له ، والعطف عليه ، وقال مترفّقاً كأنّما ليجنّبه الوبال : يا بن أخي ، لقد كان أبوك لي صديقاً ، وكنتُ له نديماً .
فلم يبال عليّ رقّته وعطفه ، بل بادر يجتذبه إلى حيث لا مندوحة له من المبارزة أو الاستسلام .
قال له : « يا عمرو ، أنّك تقول : ما دعاني أحد إلى خلالٍ ثلاث إلَّاأجبته إلى واحدةٍ منها » .
قال عمرو : نعم .
- « فأنا أدعوك إلى الإسلام » .
فضحك الرجل باستخفاف : دع عنك ذلك ، فإنّي لا أترك دين الآباء والأجداد .
هامش
( 1 ) . رواه في الكنز 5 : 723 ضمن ح 14242 عن ابن عساكر ، وفي فتح الباري 10 : 196 .