ولا يطيق عليّ هذا الهوان ، فينتفض ثانية : « أنا له يا رسول اللَّه ! » .
فيستقعده الرسول مرّةً أُخرى : « إنّه عمرو ! » .
حتّى إذا بلغ التردّد من أصحاب محمد مبلغه ، وانكمشوا في جلودهم كما تختبئ في درقتها السلحفاة ، وارتفعت الشماتة برجال الأحزاب إلى ذروة الاستهزاء . . .
عندئذٍ راح الفارس يتغنّى باعتداده شعراً يهيّج الرهبة في نفوس خصومة إلى حدّ الرعب والانكسار ، ويمدّ لأوليائه في الزهو إلى حدّ الاغترار .
أنشد يقول :
ولقد بححت من النداء * بجمعهم : هل من مبارز ؟
إنّي كذلك لم أزل * متسرّعاً نحو الهزاهز
إنّ الشجاعة في الفتى * والجود من خير الغرائز
فلم يستطع عليٌّ صبراً على هذه العنجهية المستكبرة الصلفة ، وبادر يجيب المستعلي المفتون :
لا تعجلنّ فقد أتاك * مجيب صوتك غير عاجز
ذو نيّةٍ وبصيرةٍ * والصدق منجى كلّ فائز
إنّي لأرجو أن أُقيم * عليك نائحة الجنائز
من ضربه نجلاء يبقى * صيتها بعد الهزائز
وخرج يقابل غريمه .
عندئذٍ له الرسول في لقاء ابن عبد ودّ : عملاق الفرسان الذي لا يُبارى ، فأعطاه سيفه ، وألبسه درعه ، وتوّجه بعمامته .
فلمّا أعدّه لمواجهة عدوّ اللَّه ، رفع كلتي يديه إلى السماء يضرع لربّه ويبتهل :
« اللّهم إنّك أخذت عبيدة يوم بدر ، وحمزة يوم أُحد ، وهذا عليٌّ : أخي وابن عمي . . .
فلا تدعني فرداً وأنت خير الوارثين » « 1 » .
هامش
( 1 ) . رواه في كنز العمال 10 : 456 ح 30105 و 11 : 623 ح 33034 عن علي وعزاه إلى الديلمي .