خبثهم عن اصطناع حيلة .
وها هم أولاء تسنح له سانحة ، مشت إليهم على قدميها مهطعة « 1 » ، تعرض نفسها وتقول : ها أنذا !
كان ذلك إذ انطلق رسول اللَّه إلى منازل يهود « بني النضير » ، يستسهمهم في دية قتيلين قُتلا خطأً ، وقواعد العهد بينهم وبين قوم الصريعين ثم بينهم وبين النبي تقضي عليهم بالإسهام .
ولم ينكروا عليه حقّه ، بل قالوا له : نعم يا أبا القاسم ، نعينك على ما أحببت .
فلمّا خرج الرسول من لدنهم ، وجلس في ظلّ جدارٍ من بيوتهم يستريح ، تأهّباً للعودة إلى المدينة ، نهزوا هذه السانحة الفريدة التي لا تتكرّر في الدهر ، وخلا بعضهم إلى بعضهم يتحاورون : إنّكم لن تجدوا محمداً على مثل حاله هذه ! فمن رجل يعلوا على هذا البيت ، فيلقي عليه صخرةً ، ويريحنا منه ؟
قال أحدهم ، عمرو بن جحاش بن كعب : أنا لذلك .
وصعد ، وأعدّ الصخرة ، فلمّا همّ ليلقيها ، لم يكن النبي حيث رآه قد كان ! أتاه عليه الصلاة والسلام خبرُ غدرهم من السماء ، فغادر المكان « 2 » .
وكادوا يدفعون ثمن خيانتهم هذه دماءهم وذراريهم ، لولا أن استرحموا الرسول فأجلاهم عن المدينة ، بعد أن حاصرهم في حصونهم خمس عشرة ليلة لو طالت بضعة لافترسهم الحمام !
وتسرّب مصرع رسول اللَّه من بين أصابعهم كما يتسرب الماء من خروق غربال « 3 » !
* * *
هامش
( 1 ) . مهطعة : مسرعة .
( 2 ) . ذكر الخبر ابن كثير في البداية والنهاية 4 : 76 - 77 فصل غزوة بني النضير .
( 3 ) . الغِرْبال : المنخل .