هذه الغدرة الخبيثة من ذلك الرهط من « يهود » قد أثارت عليهم حفيظة كلّ مسلم ، فضلًا عن سورة الغضب والإنكار التي لابدّ قد استشعرها أيّما امرئ في الناس يتمسّك ببعض القيم الخلقية ، ويرى حقّاً عليه نحو نفسه أن يترفّع بها فوق أمثال هذه الخبائث والدنايا التي تنافي إنسانية الآدمي وتمرّغ كرامته في الرغام « 1 »
وكانت سورة فاطمة - بطبيعة الحال - تسبق كلّ السورات ، على طريق غيظها ، بفراسخ وأميال .
لكنّ القلق كان أشدّ من الغضب ، وأقوى شكيمة .
فهي أعرف بطبيعة اليهود ، أدرى بأنّهم يكنّون غير ما يُظهرون ، أخشى لما تغلّقت عليه نواياهم منها لما تشرّعت أكفّهم به من سيوف .
فأنت تواجه عدوّك في الحرب السافرة فلا تخافه ، لأنّك عندئذٍ ستقارعه سلاحاً بسلاح ، أمّا أن يفارقك بوجهٍ ويقاتلك بآخر ، أو يقدّم لك الزهرة وهو يخفي عنك الخنجر ، أو تطالعك بالبسمة الحلوة شفتاه ومن ورائهما نابُ ثعبان . . . أمّا أن يفعل هذا ، فإنّه إذاً الخطر الذي قد لا يجول بالبال ، فيخدع اليقظة ، ويباغت الانتباه
ولقد علمت الزهراء أنّ خبث اليهود أقرب إلى الرسول من حبل وتينه ، وقد انتثرت جماعاتهم حوله بالمدينة ، وعلى مشارفها ، كما تنتشر الأفاعي في أرض معشبة ذات عوسج وأثل ، من أمن شوكها الحادّ أن يثخنه جراحةً ، فلن يأمن نهش الحيّات !
وناهيك بيهود من أراقم وصلال !
ناهيك بباعهم في التمويه والخداع !
ناهيك باقتدارهم على نسج الأحابيل !
ولئن فضحتهم « السماء » في بني النضير ، ففاتتهم فرصة « الصخرة » ، فلن تفوتهم من بعد فرصة جديدة ، يصطنعونها اصطناعاً ويعدّون لها عدّتهم ، ليأخذوا محمداً
هامش
( 1 ) . الرغام : التراب .