السلاح كان يصطفق أحياناً بالسلاح ، ولا لأنّ ثمة ، بين وقت ووقت ، مناوشات وغارات ، إنّما كان قلقها ينبعث من خوفها على الرسول أن يناله مكروه .
فلقد أحسّته وإنّه الآن وحده ، لَهُوَ هدف الأعداء ، وهو المرمى الذي تسدّد نحوه ، بكلّ الإحكام ، نفثات الأقواس ، وهو نقطة التقاء أسنّة الغدر المصوّبة من كلّ اتّجاه ، وهو الرعب الضاري الذي يحاجز بينهم وبين الأمان .
فلو اختفى عنه ظلّة فالعرب إذاً رجل واحد ، رأيهم جميع ، قلقهم إلى قرار ، خوفهم إلى أمن ، وفرقتهم إلى وحدة ، وأصنامهم إلى عزّة لا يتطرّق إليها هوان .
فإن يكن يومٌ هم أحرى فيه بأن يشنّوا على محمدٍ ، فإنّه هذا اليوم .
وما تظنّهم فاطمة إلَّافاعلين الأفاعيل .
فربّما هو الآن أيسر لهم منالًا منه بالأمس ، بعد أن قارب حدّ الستّين ، إذ ثقل منه الجسم ، وأبطأت به الحركة ، وغدا أقلّ قدرة على المناورة والمداورة عند اللقاء في ساعة قتال .
وكلّما تطلّعت إليه ، وشهدت آثار حلقتي المغفر « 1 » اللتين انغرستا في وجنتيه ، ورأت مكان رباعيّته « 2 » وهو شاغر « 3 » ، ولمحت ندبة الشجّة في جبينه . . . كلّما أخذت عينها مواضع جروحه هذه ، استيقظت في دخيلتها ذكرياتها الأليمة ، وسرح بها خيالها على أرض المعركة ، فإذا هي تشهده وقد وقع في حفرة .
ثم تراه يحاول القيام من سقطته تلك ، فلا يسعفه ترهّله ، ويخذله ثقله ، وتضطرب بالمحاولة جوارحه بحركاتٍ أدنى إلى أن تكون عشوائية ، حتّى يقبل عليه علي فيأخذ بيديه ، ثم ينزل طلحة تحته فيرفعه . . . وينجو وما كاد .
* * *
هامش
( 1 ) . المِغْفَر : زَرَد يُنسج على قدر الرأس ، يُلبس تحت القلنسوة .
( 2 ) . الرَباعيّة : السنّ التي بين الثنيّة والناب ، والجمع رَباعيات .
( 3 ) . شاغر : فارغ .