فلقد ارتدّت جحافل المشركين مهطعة « 1 » إلى مكة ، وقد أوقع اللَّه في قلوبهم الرعب ، فإذا هم أدنى إلى فلولٍ منهزمةٍ تلوذ بالهروب منهم إلى جيوش منتصرة أصابت الفلج على المسلمين .
ولقد سلم رسول اللَّه . . . ولقد فاء رجاله إلى الإحساس الوثيق بالأمان .
غير أنّ الاكتواء بسعير اليتم والترمّل ، دفع الصدور إلى التنفيس بالندب والنوح عن همّها الثقيل .
فإذا الأعين دموع ، وإذا الأنفاس أنين ، وإذا الكلمات بكاء .
وعندما سمع الرسول تلك الأصوات الحزينة تندلع من بعض بيوت بني عبدالأشهل آسىً على قتلاهم ، ترقرقت عيناه بالعبرات ، وقال وهو أسيف : « لكن حمزة لا بواكي له ! » .
وعرف ذلك سعد بن معاذ وآخرون من الأنصار ، فجمعوا « 2 » كلّ نائحة باكية كانت بالمدينة فقالوا لهنّ : واللَّه لا تبكين قتلى الأنصار حتّى تبكين عمّ رسول اللَّه .
فلمّا سمع النبي النوائح ، وعلم أمرهنّ ، خرج إليهنّ وهنّ في باب المسجد يبكين ، وقال : « ارجعن يرحمكن اللَّه ، فقد آسيتنّ بأنفسكنّ » .
واستغفر للأنصار وقال : « ما هذا أردت ، وما أحبّ البكاء » « 3 » .
ونهى عنه .
هامش
( 1 ) . مهطعة : مسرعة .
( 2 ) . السيرة النبوية ، لأبي الفداء . ( المؤلّف ) .
( 3 ) . البداية والنهاية 4 : 49 .