وعندما أطبقت إليها في « أُحد » الفواجع ، فجرح الرسول ، ومُثِّل بعمّه « حمزة » أفظع تمثيل « 1 » ، وتهاوت طائفة من خيار المؤمنين صرعى عند سفح الجبل . . . كان ربّها قد أسلف لها في علمه فرحةً سبقت الوقعة ، لتصدّ عنها بعض هذا الغمّ النازل ، فتخفّف من وقعة وإن لم تدفعه ، وتلتوي به عن طريق شرّه المستطير وإن لم تطح به في الهواء كالهباء .
تلك فرحة أُمّ بأوّل مولود . . . فرحة عادل اللَّه بها بين تجهّم العبوس وبشاشة الأسارير ، وبين البسمات والدموع ، بل ما لبثت المحبّة الربانية أن زادت الكيل ، فضاعفت للزهراء سرورها ضعفين .
فمرّة أُخرى جاءتها على يدي رحمة اللَّه نعمة مهداة !
بعد حول وأيام ، جاءها أخ لصغيرها الذي كان ، حينئذ يحاول أن يثبت قائماً على قدميه ، أو يحرّكهما حركةً هيّنةً : خطوة هنا ، وخطوة هناك .
مع رجب الرابع ، الذي طلع عليها وهي بالمدينة ، جاءها ثاني سيديَّ شباب أهل الجنّة .
فإذا الوليد وليدان ، وإذا الفرحة فرحتان ، وإذا هي تمسي وتصبح وإلى جانبيها نجمان نيِّران !
أمّا رسول اللَّه ، فقد كان أسرع من شوقه التوّاق إلى الغلام الجديد ، لحظةً لحظةً ، كان ينتظر حضوره بشغفٍ لهيفٍ ، كأنّما كانا على موعدٍ للقاءٍ محسوب .
وكما خفّ بأحلى مشاعره إلى الأول ، خفّ إلى هذا الثاني ليسبق إليه كلّ محبٍّ وحبيب ، بعاطفته القدسية الفيّاضة ، التي لا يتّسع لها غير قلبه الكبير .
وأين نظيره في خلق اللَّه ؟ أين حبّ كحبّه ؟ أين قلب كقلبه ؟ ثم أين فتى كفتاه
هامش
( 1 ) . حيث جُدع أنفه ، وقُطعت مذاكيره ، وشقَّ بطنه حتّى صدره ، وقُلعت أحشاؤه ، ودُلع كبده حتّى لاكته هندبنت عتبة أُم معاوية بن أبي سفيان ! !