ثم تغيّر ، فتصرخ بصوت آخر :
إن تُقبلوا نُعانق * ونِفْرش النمارق
أو تُدبروا نُفارق * فِراقَ غير وامق « 1 »
ثم من لفاطمة بما يطمس في ذاكرتها مشهد زوجة أبي سفيان ، إذ اعتلت صخرةً تشرف منها على أرض المعركة ، بعد أن هدأت ثائرة القتال ، لتتبدّى لكلّ ذي بصيرةٍ وبصرٍ وإن علا ملامحها غبرة شماتة ترهقها قترة استعلاء ، ثم تصيح بأرفع صوتٍ وأنكره ، منتجة نادبة ، وملء نبراتها تشفٍّ وبغضاء .
أفكانت تصرخ لتسمع المسلمين ، أم لتسمع أهلها الذين تجندلوا من نحو عام على ثرى « بدر » واحتواهم القليب ؟
كانت تزأر كلَبْؤة جريحة :
نحنُ جزيناكُم بيوم بدر * والحربُ بعد الحربِ ذاتُ سُعْر
ما كان عن عُتبةٍ لي من صبر * ولا أخي وعمّه وبكري
شَفيتُ نفسي وقَضيتُ نَذْري « 2 »
ولم تكن هند هي وحدها التي تصخب وتندب ، كانت في عدّةٍ من مثيلاتها الصالمات الجادعات ، وكنّ جميعاً في زهو واعتزاز بما زيّنّ به أجيادهنّ من قلائد بشرية هي أغلى ما عرف التاريخ من حلي النساء !
* * * وتسترجع الزهراء ، فلا أوب إلَّاإلى اللَّه .
وتنطلق بها نظرة شعورها الثاقب المُلْهَم ، فتكاد ترى دخيلة أبيها تفوز بثورة عارمة من حنق مكتوم وغيظ مكظوم ، دونها زئير الليوث الغضاب « 3 » ،
هامش
( 1 ) . السيرة النبوية لابن هشام 3 : 72 .
( 2 ) . البداية والنهاية 4 : 39 . وعجز البيت الأخير : شفيتَ وحشيّ غليلَ صدري !
( 3 ) . غضب : وهو غاضب ، وهم غضبى وغِضاب وغضابى وغُضابى .