فلقد عميت منهم الأبصار ، ووقر السمع ، وكثف الحسّ ، وغلظت القلوب .
فلو نظروا فظلمة العيون ، ولو سمعوا فوسوسة الشيطان ، ولو شعروا فلا يفقهون .
ومع ذلك ، أفلا يئين الأوان فيهتدون ؟ لتودّ لهم فاطمة من أعمق أعماق قلبها الفيء للرشاد ، إذن لغدوا ومن يعادون إخوة في اللَّه ، ولارتفعت رايات الإسلام ولعاش البشر على وفاق وسلام .
وما ذلك على اللَّه بعسير . . . فرحمته قريب .
* * *
حمزة وهند
وأمّا اللوعة فقد تجرّعتها الزهراء حينذاك إلى ثمالة الكأس حتّى القاع ، أياماً عديدة لازمتها الدموع ، لا ترقأ « 1 » ولا تغيض ، كأنّما ينفثها ينبوع !
وأنّى لها أن تكفّ شجنها وما زالت على ثوبها قطرات من دم الأب الجريح ، لاتني تحدّثها بخطب « أُحد » ما دجى ليل وما طلع نهار ؟
كيف تغلق بالها دون صورة « عمّها » حمزة بن عبد المطلب ، أسد اللَّه وأسد رسوله ، وهو بجانب الجبل طريح ، قد غاله الموت بضربة غادرة خوّانه من حربة الحبشي « وحشي » ، فإذا جثمانه الطاهر لقي بين يدي « هند » ابنة عتبة ، تتلعّب به ، وتعبث فيه ؟
لكم بدت المرأة في تلك اللحظات أشبه بطفلة معتوهة راحت تداعب دمية جميلة ثمينة ، تتسلّى وتفرح كما يتسلّى الصغار ، فلا يكون قصارى هم مرحها الغبي إلَّا أن تحطّم التحفة الغالية تحطيماً ، ثم تطوّح بآرابها « 2 » الهشيمة الممزّقة هنا وهناك ، وهي تشيّع كلّ إربٍ منها بقهقهةٍ بلهاء !
هامش
( 1 ) . ترقأ الدمعة : تجفّ .
( 2 ) . الآراب : جمع إربة ، وهو القطعة من الشيء .