تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 463

مساهمون:

ص٤٦٣
وزمجرة « 1 » كواسر الغاب . لكأنّما الرسول يكاشفها بما يعانيه ، لكأنّها ترى مشاعره برأي العين لا بخلجات الأحاسيس . ها هو ذا ينحني على بقايا جثمان عمّه الشهيد ، ويهمس لنفسه كأنّه عن دنيا كلّ من حوله بعيد : « لن أصاب بمثلك أبداً ! » « 2 » . وترجّه لوعته عنيفةً ، وإنّه للقوي المكين أمام نوائب الدهر ، وأفدح الملمّات . ويقول : « لولا أن تجزع صفية ونساؤنا ، وتكون سنّةً من بعدي ، لتركنا حمزة ولم ندفنه حتّى يحشر من بطون الطير والسباع ! » « 3 » . ثم نفجر غضبه ، ينفر وتينه « 4 » ، يرعد عرنينه ، تندفع الكلمات ملتهبة من فيه ، يحرق لظاها المتسعر قناع الدموع الذي أسدلته على وجهه الفجيعة . . . ويوعد بأفظع انتقام : « ما وقفت موقفاً قطّ أغيظ إليَّ من هذا ، واللَّه ، لئن أظهرني اللَّه عليهم يوماً في الدهر ، لأُمثّلنّ بهم مثلةً لم يمثّلها أحد من العرب ! » . أفيفعل ؟ وكيف . . . وهو السمح العفوّ الذي أرسله ربّه تعالى رحمةً للعالمين ؟ بل يأبى له اللَّه ما اعتزم ، فينفض عنه رغبة الانتقام ، ويردّ عليه ما أذهب الجزع من صبره ، فيفيء إلى حلمه المعهود . . . ينزل عليه :
« وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ »
« 5 »
.
هامش
( 1 ) . الزمجرة : الصوت الشديد . ( 2 ) . البداية والنهاية 4 : 40 . ورواه في فتح الباري 1 : 371 . ( 3 ) . رواه الحاكم في المستدرك 2 : 120 عن أنس بهذا اللفظ ، ورواه الترمذي 3 : 335 ب 31 ما جاء في قتلى أحد وذكر حمزة من كتاب الجنائز ح 1016 بلفظ « تجد » بدل « تجزع » . ( 4 ) . الوتين : عرق في العنق . ( 5 ) . النحل : 126 و 127 .
في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 463 | شوقي محمد / عبد الفتاح عبد المقصود