قيل : استجاشت « 1 » هند أحقاد الأجيال ، عاثت في جثة « حمزة » ، وولغت في دمائه الزكية ، كما تعيث الذئاب في لحم حملٍ ذبيحٍ ، وتلغ الكلاب في ماءٍ سلسبيلٍ ، مثّلت به أشنع تمثيل ، اقتلعت من جوفه كبده ، ومضت تنهشها نهش دواهي الصلال الأراقم ، وتلوكها لوك ضواري الضباع الجياع . . . صلمت أُذُنيه . . . جدعت أنفه . . . قطعت مذاكيره .
ودون مبالاةٍ بحرمة الموت ، وبلا رعاية لحقّ النسب ، وبغير حريجةٍ من حياء ، شهدها التاريخ وهي تضمّ المصلوم إلى المجدوع إلى المقطوع فتسلكها جميعاً في خيط : قلادة فريدة في القلائد تزيّن بها جيدها الذي أتلعته « 2 » الخيلاء ، وتتدلّى على صدرها الذي نفحته غلواء الضغن ، وأحماه سعير البغضاء !
قيل « 3 » : وكانت هند هي التي أغرت وحشيّاً - العبد الحبشي - بقتل حمزة لقاء عتقه ، انتقاماً لأبيها وأخيها وأهلها الذين صُرعوا في « بدر » ، ساومت العبد على ثمن حرّيته : اقتل محمدا !
قال : لا قِبَل لي بذلك ، فدونه من أصحابه سياج مانع .
قالت : فعلي بن أبي طالب !
قال : محال ، فإنّه كثير التفلّت في الحرب .
قالت : فحمزة !
- نعم ، فهو يستغرق في القتال ، فلا يكاد يرى إلَّافريسته !
وتربّص به ، يستتر منه بشجرة أوبحجر ، ثم باغته على حين غرّة ، وهو مشغول عنه يهدّ الناس هدّاً بسيفه .
وقيل « 4 » : بل الذي أغراه بقتله : جُبَيْر بن مطعم .
هامش
( 1 ) . استجاش الناس : جمعهم لأمرٍ ما .
( 2 ) . أتلعته : عَلَته .
( 3 ) . انظر البداية والنهاية 4 : 38 - 39 .
( 4 ) . تاريخ ابن الأثير 2 : 149 حوادث السنة الثالثة .