وعندئذٍ يصلّي على حمزة . . . ويودعه مقرّه الأخير .
* * * وبقيت الزهراء في شغل شاغل بالنبي الجريح ، فضلًا عن شغلها بالأب الحزين ، كما كانت وهي بمكّة إبّان طفولتها صباها المبكّر ، تمسح عنه ما يلقيه عليه أعداؤه من أوضار « 1 » ، أخذت اليوم تمسح عنه نزوز « 2 » الجروح .
لكنّ جروحه ظلّت تنفث قطرات حمراء ، فما جفّ على جفون الجراحات دم ، ولا غاض فيها دمعها العندمي الصبيب .
حتّى إذا أقبل عليها زوجها من ساحة الموت ، وعرقه يدفق من جبينه ، ونقع القتال يغشيه ، وحسامه « ذو الفقار » في يمينه قد ارتوى من دماء أعدائه ، أسرعت تهيب به أن يجيئها بماء لتغسل به عن وجه الرسول آثار قذائف الحجارة ، وضربات السيوف ، فانفلت عليّ مسرعاً يأتمر بما تقول .
فأيّ خشيةٍ تلك التي انتابتها على أبيها الحبيب وهو بين يديها مهيض « 3 » ، وقد نهكته سورة القتال ، وراحت جروحه تبكي دماً تفتّحت مسابله « 4 » ، وتفجّر معينه كينبوع ! أيّ حزنٍ وأسىً ! وأيّ ألمٍ ووجيعةٍ كانت تقاسي في تلك اللحظات التي طالت عليها كالدهر ! أيّ هلعٍ ، وأيّ جزع !
إنّها لتحسّ كأنّما قد سرت فيها رعدة زمهرير « 5 » فصلت كيانها كلّه عن حرارة
هامش
( 1 ) . الأوضار : الأوساخ .
( 2 ) . نزوز الجروح : سيلانها .
( 3 ) . المهيض : الكسير .
( 4 ) . المسابل : الطرق .
( 5 ) . الزمهرير : البرد الشديد .