وأضاف : « ألا وإنّي لا آذن » .
وكرّر : « ثم لا آذن ! » .
وكرّر مرةً أُخرى : « ثم لا آذن ! » .
قول فصل ! توكيد يقتل كلّ شبهة في نهائية القرار ، وكان يضغط على الحروف كأنّما يمضغها ليسهل هضمها على الآذان !
وفتح باب الخيار : « اللّهم إلَّاأن يحبّ ابن أبي طالب أن يطلّق ابنتي ، وينكح ابنتهم ، فإنّ ابنتي بضعة منّي ، يريبني ما رابها ، ويؤذيني ما آذاها » .
لكنّه أضاف يبيّن ما قد يشكل على أفهام سامعيه : « إنّي لست أحرّم حلالًا ، ولا أحللّ حراماً ، ولكنّ اللَّه لا يجمع بنت رسول اللَّه وبنت عدوّ اللَّه ببيتٍ أبداً ! » « 1 » .
وكان قوله الحقّ .
قيل : وكانت هذه الفتاة المغيرية أسلمت ، وبايعت النبي ، وحفظت عنه . . . فلعلّها قد خيف عليها الفتنة أن تتزوّج بغير كفءٍ من المسلمين ، وأهلها هم من هم في المكانة والحسب ، لا يرضيهم من هو دون ابن أبي طالب من ذوي قرابتها ، أو لعلّها غضبة من غضبات عليّ وأنفه من أنفات فاطمة ، أو لعلّها نازعة من نوازع النفس البشرية لم يكن في الدين ما يأباها وإن أباها العرف في حالة المودّة والصفاء « 2 » .
ومع ذلك فلسنا نحسب حياة الزهراء وعلي تعرّضت لخلافٍ غير هذا الخلاف ، بل نحسب أنّها لم تتعرّض لنفس هذا الخلاف إلَّامن خلال كلمةٍ قيلت هنا وأخرى قيلت هناك ، ثم لم يخرج الأمر من حدود المقولات إلى حدود المفعولات ، لأنّ شواهد الحال وآراء المعاصرين لا تذكر أنّ علياً فكّر جدّياً وسعى في اختيار فتاة
هامش
( 1 ) . روى الخبر البخاري ومسلم ، وهو أيضاً محلّ نظر . إذ كيف يمكن أن تصدر عن نبي الرحمة الذي وصفه القرآن بأنّه لعلى خلق عظيم ، إهانة كهذه لامرأةٍ مسلمة - كما قال الحافظ - لا لجريمة ارتكبتها سوى أنّ أباها عدوّ اللَّه ؟ ! وهل يعقل أن يرميها بأنّها بنت عدوّ اللَّه وهو نفسه صلى الله عليه وآله قد عنّف ذلك الرجل الذي قال لابنة أبي لهب : أبوك في النار ؟ بل كيف يمكن ذلك وهو صلى الله عليه وآله الذي علّمنا بأنّه لا تزر وازرة وزر أخرى ؟ !
( 2 ) . فاطمة الزهراء والفاطميون ، للعقّاد ( المؤلّف ) .