تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 453

مساهمون:

ص٤٥٣
حدثٍ ، أو مجاجة شفاه ثرثرت بأمل معسول أحرى أن يسلك في الأوهام أو أضغاث الأحلام . فلقد قال نفر حينذاك : إنّ علياً انتوى اتّخاذ زوجةٍ جديدةٍ : ضرّةٍ لبنت رسول اللَّه « 1 » !
هامش
( 1 ) . لا يخفى على الباحث أنّ قضية خطبة أمير المؤمنين عليه السلام ابنة أبي جهل من المفتريات ، والروايات التي وردت في هذا السياق لا تخلو من نظر وتأمّل . أولا : أنّ هذه القضية من القضايا التي اختلف الحفّاظ بها ، وقد رويت بطرقٍ مختلفة ، بعضها يناقض بعضاً . فبعضها يشير إلى أنّ علياً عليه السلام هو الذي أخبر النبي صلى الله عليه وآله بنفسه بأمر الخطبة ممّا دعا النبي الأكرم صلى الله عليه وآله أن قال : « إنّ فاطمة بضعة منّي . . . » ، وبعضها تروي أنّ فاطمة عليها السلام هي التي أتت وأخبرت أباها صلى الله عليه وآله بذلك ، كما يرويها المؤلّف هنا ، وأخرى : أنّ علياً عليه السلام جاء قبل كل شيء واستأذن النبي صلى الله عليه وآله في نكاح ابنة أبي جهل ، وأخرى غيرها : أنّ بني هشام بن المغيرة استأذنوا النبي صلى الله عليه وآله وليس علي عليه السلام في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب ! ! كما واختلفوا أيضاً في جواب النبي الأكرم صلى الله عليه وآله له ، فمنهم من روى أنّه صلى الله عليه وآله قد خيَّر علياً عليه السلام في نكاحه ابنة أبي جهل ، ومنهم من روى منع النبي صلى الله عليه وآله له ذلك ، حتّى ذكروا قوله صلى الله عليه وآله له « لا آذن » ثلاث مرّات ! ! ومنهم من زاد على قوله ذلك : « إلَّا أن يطلّق ابنتي وينكح ابنتهم » ! ! ! وهذا المنع القاطع يثير - حسب المروي عنه صلى الله عليه وآله - في نفس الباحث سؤالًا ، وهو أنّ ما صنعه علي عليه السلام لا يخلو إمّا أن يكون حلالًا أو حراماً ، فإن كان حلالًا ، فهل كان النبي صلى الله عليه وآله يحرّم حلالًا على هواه ؟ ! أو يحلّل حراماً كما يشتهي ؟ ! وإن كان حراماً ، فلماذا صنعه علي وهو الإمام الكبير ، أحد الخلفاء الراشدين ؟ ؟ وهل يعقل أن مثله يقدم على عملٍ حرامٍ امام نبي هذه الأُمة وقائدها ؟ ! ثم هناك تناقض أيضاً في الروايات الواردة في هذه القضية في اسم المزعومة للخطبة ( ابنة أبي جهل ) فذكر الطبري أنّ اسمها « الحنفاء » ، بينما ذكر السهيلي أنّ اسمها « جرهمة » ! ( انظر فتح الباري 7 : 108 كتاب الفضائل باب : أصهار النبي صلى الله عليه وآله ) ، وذكر في إرشاد الساري 11 : 596 ب 110 أنّ اسمها « جميلة » . بل إنّ الروايات ما بلغت في التناقض أوجه حينما اختلفت في اسم القوم الذين خطب منهم ابنتهم ، واختلفت الحادثة أيضاً ، فمنها أنّه عليه السلام خطب جويرية وليست ابنة أبي جهل ، ومنها ذكرت اسم « العوراء » ، ورابعة ذكرت أنّه عليه السلام خطب أسماء بنت عميس ! ! وفي الوقت الذي ذكرت بعض الروايات رفض النبي القاطع للخطبة ، أفادت أخرى بأنّ قومها هم الذين رفضوا علياً وقالوا : « لا نزوّجك على ابنة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله » ! ! رواه الحاكم في المستدرك 3 : 159 مناقب فاطمة عليها السلام . ومن الطبيعي أنّ هذا التخبّط والاضطراب يثير فينا التحفّظ والنظر في هذه الروايات ، ويميل بنا إلى ترجيح الكفّة بكونها مفتراه عليه عليه السلام كما افتري على غيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله المنتجبين . ثانيا : أنَّ سند الرواية يقع فيه : المسوّر بن مخرمة ، أو عبداللَّه بن الزبير ، أو الكرابيسي ، أو أبو هريرة . أمّا الأول فقد ذكر أئمة الحديث أنّه كان يطعن على الأئمة ، وكانت الخوارج تتغشّاه وتنتحل رأيه انظر الاستيعاب 3 : 402 ترجمة معاوية و 417 ترجمة المسوّر . هذا وقد نفى ابن قتيبة في المعارف رؤية المسوّر للنبي صلى الله عليه وآله وبالتالي نفى كونه من الصحابة ( انظر المعارف : 188 فصل في التابعين ) . وأمّا الثاني فقد عُرف عنه أنّه كان سبّاباً فحّاشاً يبغض بني هاشم ، ويلعن ويسبّ علي . انظر فاطمة الزهراء والفاطميون للعقاد : 156 - 157 . وأمّا الكرابيسي فقد قال الأزدي عنه : ساقط لا يرجع إلى قوله . وتكلّم فيه أحمد بن حنبل حتّى قال لمحمد بن بديل : « إياك إياك أربعاً . . . لا تكلّم الكرابيسي ولا تكلّم من يكلّمه » ولعنه ابن معين ، وقيل بفساد عقله . انظر لسان الميزان 2 : 271 ترجمة الحسين بن علي الكرابيسي ، ميزان الاعتدال 1 : 544 رقم 2032 . وأمّا باقي رواة الأحاديث الواردة في هذا القضية فقد ذكر الهيثمي طرقها وذكر ضعفهم جميعاً راجع مجمع الزوائد 9 : 327 وما بعده . وللأستاذ توفيق أبو علم كلام بارع في هذا الإطار ، يقول : « ولم يكن من المعقول أن يستبدل الإمام علي بالنبي أبا جهل بن هشام صهراً . . . » ثم أضاف : « ولكن كثيراً من المؤرّخين والكتّاب ينكرون هذا الحادث تماماً ، ويذكرون أنّها رواية مزعومة » ( فاطمة الزهراء : 150 ، 152 ) .