سعدت بتفتّح أول برعمٍ من براعم النسل الطاهر الزكي ، أحيى من ذوابل آمالها كلّ موات ، وغسل من سوالف سنيّها كلّ وجيعة ، وطوّح في جبّ النسيان ما نالت منها الأيام .
فما الحزن الآن وقد جاءها أخيراً من جعل حياتها زهوراً يانعة ، طيّبة الشذى ، بهيجة الألوان ، خضر الأوراق ، نديّة الأعواد ؟
وما أشواك الذكريات . . . ولا غضاة اليوم ، ولا عوسج ، ولا صبّار ؟ وما الألم العلقمي الذي مضغته مرّاً ، ولا كته عمراً ، منذ بواكير صباها ، وقد سدّ صغيرها في نفسها ينابيعه ، فأصبح ماؤها غوراً ، ثم أذاب في بقايا فيضها ضحكاته الحلوة ؟
كلّ ما مرّ في أُفق حياتها من مآسٍ وفواجع انطوى الآن في شروق سنيٍّ غابت غياهبه ، وتألّقت كواكبه ، فأبصرت آية النور ، وامَّحت آية السواد ، لكأنّما تحسّ أنّ الوجود قد فتح لها في سجلّه صفحةً جديدةً !
حتّى ذلك الحدث الطارئ الذي تشكّل من بضعة أشهر إعصاراً كاد يدمّر سعادتها الزوجية ، وما زالت له حتّى اللحظة آثار تخايل بالها من بعيد قد انقشعت الآن عنها دكنة غيومه .
بقايا ظلاله ولّت فراراً كتولّي مرائي الكابوس أمام انتباهة العين ، وصحوة الأحاسيس ، ذابت كذوبان الضباب في أشعّة الضحوة .
ولم يكن في حقيقة الأمر حدثاً يحسب في الوقائع الثابتة ، بقدر ما كان شبح
في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 452
مساهمون: شوقي محمد
ص٤٥٢