لكأنّما ودّ لو احتواه بين جانحيه ، أو أن يوسّده بين عينيه .
وهل من أحدٍ في العالمين أحبّ إليه ؟ ألصق بقلبه ؟ أولى بحنانه ؟
أليس آثر إنسان بحبّ الأب : الحفيد ؟
فما بالك بحبّ محمد وإنّه لأعظم حبّ ؟ ! وبقلبه وإنّه لأكبر قلب ؟ ! ثم ما بالك وقد تضاعفت الآن هذا الحبّ ضعفين ؟ !
أصبح حبّين . . . ذلك لأنّ أُبوّته عليه الصلاة والسلام ازدوجت فإذا هي أُبوّتان أُبوّة لفاطمة الابنة الحبيبة ، وأُبوّة من خلالها لوليدها الحبيب .
تلك غريزة حيوية ، هي أية من آيات اللَّه في الخلائق البشرية ، أحرى بأن ترقى في محمد : الإنسان الأمثل ، إلى ما فوق سماء أرفع المثاليات .
* * * وطابت بغلامها نفس الزهراء ، قرّت عيناً ولبّاً ومهجةً ، نعمت بأروع عاطفة إنسانية : هذه الأُمومة التي انبثقت فيها ، وغدت نبعاً قدسياً تفجّر عن العترة النبويِّين ، سادة المكارم والشيم الخُلُقية الرفيعة ، الذين استضاءت بنورهم القلوب والعقول على امتداد الزمان « 1 » .
هامش
( 1 ) . فقد خلّف هؤلاء السادة من ثروة فكرية وثقافية إسلامية سامية ، وميراث حضاري راقٍ للبشرية عامةً ، وللمسلمين خاصّةً ما جعلهم يسبقون غيرهم في إطار بناء صرح الحضارة الاسلامية العظيم ، ونشر ثقافة الإنسان الرسالي على مساحات واسعة من أطراف الدنيا ، وغمرت أطياف عديدة من قطاعات أُمم الأرض المختلفة ، حتّى كادت جميع الألسن - على اختلافها - تلهج باسم أوبأسماء هؤلاء السادة من أهل بيت الرسول صلى الله عليه وآله ، وإن حالت دون اشعاعهم غيوم من الجهل والجمود ، لكن سرعان ما تبدّدت وانحسرت هذه الغيوم بفضل ما امتازوا من مجدٍ وخُلقٍ عظيم .
إنّ العمق والأصالة والشرف والخُلق الكريم الذي تحلّى به أئمة وعلماء أهل البيت عليهم السلام ، هي التي دعت أئمة المذاهب الفقهية والفلسفية والعقائدية إلى احترامهم ، وإبداء الاعجاب بهم وإطرائهم ، بل وإلى تقديسهم إلى حدٍّ كبير .
فلا عجب إذاً أن نشاهد تهافت علماء المذاهب ومفكّريهم وأُدبائهم وتباريهم في الكتابة والتأليف في مناقب سادات علم النبوة ، وشمائل أجلّاء الحكمة المحمدية ، ورواية سيرتهم العطرة . فهناك كتاب الآل لابن خالويه امام النحو واللغة ، والآيات النازلة في أهل البيت لابن الفحّام الفقيه المقرئ الشافعي ، وإتحاف الزبيدي الحنفي ، وإحياء السيوطي الشافعي العلّامة المعروف ، وأخبار أهل البيت للمدائني ، وإرشاد الهادي لابن فرحون المالكي ، واستجلاب السخاوي ، وتذكرة السبط ابن الجوزي ، وجواهر السمهودي ، وحديث الطير للطبري ، وذخائر محبّ الدين ، والذرّية الطاهرة للدولابي الحافظ ، وذكر القلب الميت بفضائل أهل البيت للعقيلي الحنبلي ، والصفوة للمناوي ، وفتح المطالب في مناقب علي بن أبي طالب للذهبي ، وفصول ابن الدبّاغ المالكي ، ومناقب ابن حجر الهيتمي وغيرهم كثيرون .