وإذا كانت الزهراء لم تملك دمعها عندئذٍ أن ينساب ، فلا عن نفرةٍ من عليٍّ كان الانسياب ، ولا من خشية إملاق في ظلّ زوجٍ مملق ، وهي التي شبّت في حجر من أدار ظهره للدنيا ، فأبى الذهب كما أبى الملك ، فكانت أولى بأن تسير سيرته ، فلا ترنوا إلى يسار .
إنّما أخذتها الوحشة أن تفارق بهذا الزواج الأب الحبيب الذي لا تطيق فراقه .
ويهوّن عليها رسول اللَّه ما تخشاه ، فيقول : « ما ألَّيتُ أن زوّجتك خير أهلي » « 1 » .
بل خير الناس ! ويقول أيضاً : « . . . أكثرهم علماً ، وأفضلهم حلماً ، وأوّلهم سلماً » « 2 » .
فكأنّي به يرى القبول في عينيها ، ويسمع قلبها يشدو بنبضات مرنة غناء ، فينطلق عائداً إلى فتاه : « فهل معك شيء أزوّجك به ؟ » .
إنه إذاً رضاء !
* * * وقلّب « علي » في ذهنه الأُمور .
لو شاء ربّه لآتاه مثل أُحد ذهباً ، فيثري دنياه ، ويمهر فيغلي في مهر عروسٍ ليس كمثلها في العرائس ، بمهرٍ ليس كمثله في الكنوز . . . لكنّه سبحانه قدر عليه رزقه ، أعطاه قطرات ، ضربه للعاني والفقير ومن كادت تجفّ كفّاه مثلًا حيّاً . . . يرسم للناس كيف يعيش من يطمح إلى نعيم الآخرة ، مبتغياً وجه اللَّه ، وكيف يجب أن يحيا الإنسان قامعاً شهوة المال ، قانعاً بأقلّ القليل ، ليتجنّب مزالق البذخ ، ومهاوي الترف التي تتردّى فيها النفوس ، وكيف يجدر بالمرء أن يقيم دعائم بيته الزوجي على
هامش
( 1 ) . خصائص أمير المؤمنين للنسائي : 233 ح 125 عن ابن عباس ، الطبقات الكبرى 8 : 24 عن أُمّ أيمن ، وراجع كنز العمال 11 : 605 ح 32926 . وفي مصنّف عبد الرزاق 11 : 228 ح 20396 عن عكرمة بلفظ « أُنكحك » بدل « زوّجتك » . وأَلَى الرجلُ وألَّى : قصَّر وترك الجهد .
( 2 ) . مصنَّف ابن أبي شيبة 7 : 505 ب 18 كتاب الفضائل ح 68 ، مصنَّف عبد الرزاق 5 : 490 ح 9783 ، وسلماً : يعني إسلاماً .