أمّا هي فقد غمرتها الطمأنينة ، شاع في وجهها شفق الأصيل أغضت العينان ، استراحت على وجنتيها الأهداب ، وراء شفتيها استراح اللسان ، خشعت الأطراف ، ذاب كيانها كلّه في الحياء . . . بمثل صفاء الندى العذري المتلألئ في أحداق السحر ، لمع ناظرها بقطرتين كالدرّ : درّة هنا ، ودرّة هناك .
قيل : سكتت من خجل ، وكانت درّتاها المتألّقتان من رضا وبشر .
وقال متقوّلون : إنّما سكتت من دهشة وعجب ، لأنّها لم تكن تصدّق أنّ أحداً يخطبها بعد أن قاربت العشرين ! !
وإنّما دمعت عيناها من حزن وأسف أن سيسلّمها أبوها بهذا الزواج إلى من سيحييها معيشةً ضنكا « 1 » ، هي الشظف « 2 » والإملاق « 3 » على غير ما تأمل فتاة تتطلّع في حياتها المقبلة إلى عشٍّ زوجيٍّ هو جنّة طيّبة الجنى ، شهيّة الثمار ، ظلالها رغد ورفاهة وعيش رخي كريم ! !
فهل أصاب أصحاب التقوال ؟
العجب لهم كيف يقلبون المعاني ، ويقلبون الأوضاع !
إنّهم يحبّون أن يروا ما يعيب ، ولا يحبّون أن يروا ما لا عيب فيه « 4 » ، بل إنّهم ليرون ما يعاب فيما لا يعاب .
وإذا كان زواج فاطمة قد تأخّر إلى ما بعد الهجرة ، فذاك لأنّ حياتها وحياة المسلمين بمكة لم تكن حياة أمن واستقرار ، ولأنّ الدعوة الإسلامية كانت عندئذٍ في إبّانها ، والرسول مشغول بنشرها عن كلّ ما عداها من الأُمور ، ولأنّ الحال بمكة قد تبدّلت ، فأصبحت خطبة المسلمات مقصورة على المسلمين وهم قلّة قليلة ، إن دخلت في نطاق الآحاد فهي لا تتوغّل في نطاق العشرات !
هامش
( 1 ) . الضَنْك : الضيّق من كلّ شيء ، يقال : مكان ضَنْكٌ ، وعيشة ضَنْك .
( 2 ) . الشَظَف والشَظاف : الضيق والشدة .
( 3 ) . الإملاق : الفقر والفاقة .
( 4 ) . فاطمة الزهراء والفاطميون ، للعقاد ( المؤلّف ) .