وساعة قال لرسول اللَّه : « النساء كثير » ، فذلك لأنّه كان يراه عليه الصلاة والسلام في شكٍّ من أمر عائشة مريب ، وفي حيرةٍ من مصيرها موئسة : أيمسكها أم يتركها ، وإنّه في كلتا حاليه هاتين لَمُعانٍ من شقائه النفسي معاناةً تفدح الجبال .
أفغفلت فاطمة عن هذا الشقاء المضني ، أم انفعلت به وعاشت فيه ؟
بل غفلت عن تصوير إحساسها الحقيقي روايات الرواة !
فما نحسبها إلَّاشاركت أباها آلامه الشعورية مشاركةً كاملةً ، وقاسمته كأس تجربته المُرّة ، جرعةً جرعةً ، وحسوةً حسوةً ، وقطرةً قطرة .
بعذابه النفسي تعذّبت مرّتين : مرّة إذ هي أُمه ، ومرّة إذ هي ابنته .
وليس كقلب أُمٍّ حنون قلبٍ ، يتفطّر أسىً لمحنة ابنٍ هو بسمة الحبّ على ثغر العمر ، هو مشرق النور ، ونبع الصبر على نوب الدهر ، ومنهل العزاء حين الأرزاء .
وليس كقلب ابنةٍ وفيه قلبٍ ، يتمزّق لوعةً لبلوى أبٍ هو خير أب ، والفرد العلم في الآباء .
إنّه لها الرجاء في الحياة . . . كلّ الرجاء ، لا رجاء سواه ، ولا حياة لولاه ، إذ هو نفسه هذه الحياة ، بل ما وراءها من حياة .
* * * ثم كان الخلاص . . . أتت مشيئة ربّك بالبرء من علل الريب وأدواء الحيرة ، انقشعت « 1 » الغُمّة عن الزهراء بانقشاع المحنة عن رسول اللَّه ، نزل شؤبوب « 2 » طاهر من السماء غسل عن السيدة المظلومة ما علق بثوبها من درن الإفك ودنس الافتراء .
بالحقّ نزل . . . وبالحكمة نزل . . . وبالرحمة نزل .
تغشى محمداً من الوحي ما كان يتغشّاه ، فلمّا فصل عنه - والعرق ينحدر على
هامش
( 1 ) . انقشع : زال .
( 2 ) . الشؤبوب : الدفعة من المطر .