النفسي هو الذي يقدّر فيقرّر . . . ورهف الحسّ وصفاء النفس لدنها خليق بهما أن يشفا عن الحقيقة .
ثم ما كان أقساه عليها من موقفٍ أنّ الحيرة قد بلغت بأبيها إلى استشارة بعضهم في أخصّ خصوصياته ، فيسألهم عن أمر امرأته ، هو الذي كان دائماً لقومه - قبل الرسالة وبعد الرسالة - صاحب الرأي والمشورة .
سأل فتاه أُسامة بن زيد رأيه فيما أرجف « 1 » به أهل الإفك ، فكان الذي ارتآه :
يا رسول اللَّه ، أهلك . . . ولا نعلم عليهنّ إلَّاخيراً ، وهذا الكذب والباطل .
وسأل أخاه علي بن أبي طالب ، فكان جوابه : « يا رسول اللَّه ، النساء كثير ، وإنّك لقادر على أن تستخلف ، وسل جاريتها بريرة تصدقك » .
فجيء بالجارية ، وقام علي ليضربها ، ويحذّرها أن تكذب : « اصدقي رسول اللَّه » .
وشهدت بريرة : واللَّه ما أعلم إلَّاخيراً ، وما كنت أعيب على عائشة إلَّاأنّي كنت أعجن عجيني فآمرها أن تحفظه ، فتنام عنه ، فيأتي الداجن فيأكله !
فإن يكن أُسامة قال ما قال فتلك مقالة امرئ « شهد » فأنصف فيما كان يعلم ، لكنّه « تحدّث » فتلطّف فيما لم يكن يعلم .
وإن يكن ذلك قول علي فإنّه الصدق مع النفس ، والصدق مع الغير ، والصدق مع واقع الحال ، دون محاولة منه لاقتحام غير المشهود وغير المعلوم .
وهل كان ليقطع بالرأي الفيصل في مجهول ، أويخضع شرف السيدة لجهد التأويل ؟
لا لهذا عليّ ولا لذاك !
فإنّما الشهادة علم يقين ، ورؤية عيان . . . وإذا كان حبّه رسول اللَّه حَرِيّاً بأن يدفعه إلى تهوين وقع المحنة عليه بكلمة تلطيف ، فكلمة الحقّ الصرف هي الأحرى عنده بأن تُقال .
هامش
( 1 ) . أرجف : إذا خاض في الأخبار السيّئة قاصداً تهييج الناس .