فلماذا الجفوة ؟ ما الذي غيّره هذا التغيير ؟
كبرياؤها تأبى عليها أن تستنبئه سرّه .
ثم علمت ما خفي عنها كلّ تلكم الأيام الطوال ، زلّ به أمامها لسان إحدى المهاجرات .
وعندئذٍ هالها ما سمعت . . . فأيّ هول ! صعقها الخبر ، أحسّت بقلبها في جوفها ينفجر ، وتدفّق غضبها مع دموعها يلوم أُمها على الكتمان : يغفر اللَّه لك يا أُماه ! تحدّث الناس بما تحدّثوا ولا تذكرين لي من ذلك شيئاً ؟ !
فلم تمهلها الأُم أن تسترسل ، بل عاجلتها مهوّنة : أي بُنيّة ! خفّفي عليك الشأن ، فواللَّه لقلّما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبّها لها ضرائر إلَّاكثّرن وكثّر الناس عليها .
أمّاً محمد ، فقد كان في همٍّ واصبٍ ، وألمٍ مقيمٍ من هذا الذي هتر « 1 » به الأفّاكون ، ثم هتنت « 2 » ألسن المنافقين أينما مضت به قدم ؛ حقداً عليه ونكايةً فيه كانت الحيرة تمزّقه ، وكانت الغيرة تنهشه بأنياب أراقم « 3 » .
ولو أنّ فاطمة عجمت « 4 » المحن التي أصابته ، لما وقعت بينها على محنة هي أفضع من هذه فظاعةً ، أو أبشع بشاعةً . . . ولو أنّها راجعت ذكرياتها معه ، لما علمت قلبها قد تفطّر مرّةً ؛ رحمةً وحسرةً ، كما تفطّر هذه المرّة .
أمّا الرحمة فلعائشة الطعينة في شرفها - افتراءً - وليست تدري بأيّ سلاح تردّ الفرية ، ولا كيف بُرْؤُها من الطعنة . . . وأمّا الحسرة فعلى الأب الذي يفترسه الشكّ الضاري ، ثم لا يكاد يجد منه لنفسه خلاصاً ولا مثابةً .
لكأنّي بحسّ الزهراء المرهف هو الذي يتكلّم الآن ثم يحكم ، أو كأنّي بصفائها
هامش
( 1 ) . هَتَر وهاتر : إذا سبّ بالقول القبيح .
( 2 ) . هتن : تتابع .
( 3 ) . الأراقم : أخبث الحيّات .
( 4 ) . عجم الشيء : أدركه فبان له .