والخير إذاً كلّ الخير أن يدع للنبي - إذ هو وحده صاحب القرار - أن يستوحي شعوره الملهم ، فيختار لنفسه ما يختار .
هذا هو الرأي الذي ارتآه . . . بل عدالة العدالات أملاها عليه ضميرٌ مقسِط نزيه ، كما يتوقّى المجاملات يتوقّى الشبهات .
فما كان به على السيدة سخط ولا موجدة ، وهي منه « أُم » بزواجها برسول اللَّه ، لها عليه حقّ الإجلال والتوقير .
كان يكنّ لها الإعزاز لمكانتها الأثيرة في قلب الرسول ، وكانت تكنّ له التقدير لمقامه المجتبى لدى الرسول . . . بهذا نضح « 1 » سلوكه وسلوكها على السواء .
سُئلت مرّةً عن أَحبّ الناس إلى زوجها العظيم ، فقرّرت أنّ أحبّهم في الرجال :
عليّ ، وفي النساء : الزهراء « 2 » .
وحتّى عندما خرجت على سلطانه الشرعي ، ومشت إليه مع أعدائه بالجنود في السلاح والعتاد ، لاجتثاث إمرته ، ثم أظفره اللَّه ، منع عنها أيّة مساءةٍ تلحق في موطن الحرب بعدوٍّ مهزومٍ ، وشيّعها إلى بيتها بكلّ مظاهر التجلّة والاحترام « 3 » .
فهل كان موقعها ذاك مظهراً لبغضاءٍ أوغرت صدرها عليه ؟
قيل : لا بغضاء !
ولئن كانت أسرفت على نفسها في خلافه ، فلقد أسفت على ما فرط منها ، وأكّدت بعد سنين أنّ ما كان بينها وبينه لم يزد قطّ على ما يقع - عادةً - بين المرأة وأحمائها ، أو بين الأنسباء والأنسباء .
أمّا هو فلم تشب شعوره نحوها شائبة ضغينة .
هامش
( 1 ) . نضح بالشيء : فاض به .
( 2 ) . ينابيع المودّة 2 : 29 .
( 3 ) . انظر جميع كتب التاريخ التي تتحدّث عن معركة الجمل بكلّ تفصيلاتها ، مثل : تاريخ الطبري ، وابن الأثير ، وأنساب الأشراف ، وتاريخ اليعقوبي وغيرها .