لكنّ مشيئات ربّك لابدّ أن تكون ، لابدّ أن يُماط عنها اللثام ، فإذا هي عندئذٍ وقائع جليّة ، وأحداث حيّة ، تقع في مجالات الحواسّ ، ولا تُعمّي عليها شُبَه الالتباس والظنون .
فكما أخذ اللَّه من بني آدم من ظهورهم ذرّيتهم ، وأشهدهم على أنفسهم ، فأقرّوا بمربويّتهم له سبحانه ، فكذلك أودع في قراراتهم مشيئاته ليحقّ عليهم القضاء .
ذلك أنّ تلكم المشيئات حتم ما منه مناص ، ولا عنه نكوص « 1 » .
غيب مستور مقدور . . . فإذا دار الزمن خرجت مشيئاته من عالم السرّ والخفاء إلى عالم العلن والظهور ، تتوالى عليهم دراكاً ، كلّ حكمٍ منها بسبب ، وكلّ قضاءٍ بميقات .
تماماً كما تنزّل قرآن ربّك مُنجّماً نجوماً ، نجماً نجماً « 2 » ، وقسطاً قسطاً . . . كلّ آيةٍ لحكمه ، وكلّ حكمةٍ بأوان .
أفحسب الناس أنّ اللَّه الذي حجب عنهم غيبيّاته لا يكشف منها - إن شاء - ما شاء لنبيّه الكريم ؟
بل له وحده الأمر والقرار
« فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ »
« 3 »
.
وقد أراد فأظهر . . . أذن لمشيئته التي قضى على محمد ، وعلى زينب ، وعلى زيد ، أن تخرج من عالم الغيب المستور إلى عالم العلن المنظور .
أفيتلبّث « 4 » النبي بأمر السماء ، هذا الذي تجلّى على صقال بصيرته الصافية فيرود « 5 » به بعض إرواد ، أم تراه يسارع من توّه فيعلنه على الأشهاد ؟
لئن هو تريّث ، فاستأخر بالخبر ، فمن وراء التريّث والاستئخار ساعة لابدّ آتية ،
هامش
( 1 ) . النكوص : الرجوع عن الشيء .
( 2 ) . نجماً نجماً : أي قسطاً قسطاً .
( 3 ) . الجنّ : 26 و 27 .
( 4 ) . التلبّث : التوقّف .
( 5 ) . يرود : يتماهل .