لأنّ قلبه كان يميل إلى إحداهنّ بالإيثار العاطفي ، ولا حرج عليه من هذا الإيثار .
وهل كان يملك أن يكبح عنها جمحات عاطفته ، أويردّ مثل هذه الجمحات الأُخريات فيوزّعها بينهنّ جميعاً بالقسطاس ، قدراً كقدر ، ونصيباً كنصيب ؟
لا ! فهذا هو المحال .
وما كان أصدقه عليه الصلاة والسلام لفطرته البشرية إذ قال : « اللّهم هذا قسمي فيما أملك ، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك ! » « 1 » .
فأنَّى إذاً لزينب أن تصرف قلبها إلى ما يرتجيه زوجها منها ويشتهيه ! إنّما كانت علاقتها بزيدٍ نابعة من داخلها ، كانت وليدة شعور ليس لها بتغييره يدان ، وعندما يتحدّث الشعور تخرس العقول !
* * * نعم كان محالًا علهيا أن تشعر إلَّابما تشعر ، أو تغيّر ما لا يتغيّر .
كانت تكره . . . ثم أصبحت تبغض . . . ثم غدت تمقت . . . ثم أمست وليس له عندها - مع إدلالها عليه بشرف المنبت ، وتباهيها بكرم الأصل - سوى الازدراء .
وعندما يسقط عن المرأة احترامها لرجلها ، فذاك هو الداء العضال العياء ، الذي يمتنع عن أيّ دواء ، ولا يُرجى له شفاء .
وكما كانت من خلال نظرتها العاطفية المعتمة تعيش في كنفه العذاب ، فلقد كانت أيضاً من خلال نظرتها الاجتماعية المستعلية تعيش جريحة الكبرياء .
كانت تتقلّب على العار ! فهي ذات شرفٍ باذخٍ ، ومجدٍ أصيلٍ ، وعزٍّ أثيلٍ « 2 » . . .
كريمة من كرام .
هامش
( 1 ) . رواه الترمذي في الجامع الصحيح 3 : 446 ب 42 ح 1140 عن عائشة ، وفي سنن النسائي 7 : 64 كتاب عِشْرة النساء باب : حبّ النساء بلفظ « هذا فعلي » .
( 2 ) . عزّ أثيل : شريف نبيل .