فأمّا وقد أعجل بها لسانها إلى قبوله ، فما كان إعجالها هذا إلَّافلتة لسان ، بل هرف « 1 » لسان !
وما كان حينئذٍ قبولها إيّاه إلَّاأدنى إلى استسلام مقهورٍ منه إلى رضاء مختار .
وليس هذا الذي يقرنها به - فيما تدرك وتستشعر - بزواج ، يعيش به قلبان في جسدٍ واحدٍ ، أو يعيش بقلبٍ واحدٍ جسدان ! لكنّه شيء أشبه بعنانٍ شُدَّ إليه جوادان ، ثم ضُرب أحدهما ليركض في اتّجاه ، وضُرب الآخر ليركض في الاتّجاه المضادّ !
أم كيف تحمل مشاعرها المخالطة لكلّ ذاتها ، من خلجةٍ جارحةٍ ، أوخطرة فكرٍ ، أو رنوة خيالٍ ، أن تأنس به ، وتميل إليه ؟
كيف تقهر قلبها على أن تحبّه ، وما قلبها إلَّافي ملاك اللَّه وحده مصرّف القلوب ؟
وعندما انطلقت بفاطمة الأيام ، وأشرفت من ورائها على هذا الذي تعانيه زينب ، لم يكن عسيراً عليها أن تتفهّم - بغريزة الأُنثى - حقيقة كرب المحنة الذي تحياه هذه السيدة المبتلاة . . . كرب فادح ، ومحنة قاصمة ، وبلاء عظيم .
وهل أقدر من امرأةٍ على فهم امرأة ، وقد تضاهأت فيهما الجبلة ، وتماثلت الصفات التشريحية ، وتشاكلت مقدّمات المزاج ، وتشابهت نوازع الشعور ؟
* * * الحقّ الذي يتنزّه عن المراء أنّ الزهراء كان محالًا عليها أن تعيش - بفكرها ، أو بشعورها ، أو بوضعها الأُسري - في منأىً عن مسيرة زينب وزيد على رقعة حياتهما الزوجية التي حامت حول فشلها الأحاديث ، وتعلّق بها انتباه الجمهور بضعة شهور .
وإذا كانت الروايات لم تصوّر لها موقفاً حياله ، ولا نقلت لنا عنها رأياً فيه ، فذلك لأنّ الرواة حينذاك لم يكونوا يُعنَون بتناول أيّ حدثٍ إلَّامن حيث هو مجرّد خبر
هامش
( 1 ) . الهَرَف : المدح بلا خبرة ، يقال : لا تهرف بما لا تعرف .