الأب نفسه يشهد بهذا على ابنته ، كما تنقل إلينا الأخبار ، وهل ينبئك مثلُ خبير ؟
قيل : علم ابن الخطّاب مرّةً من امرأته أنّ حفصة - في مسايرتها لعائشة ، وتشبّهها بها - تراجع زوجها العظيم حتّى ليظل يومه غضبان ، فأسرع إلى فتاته يزجرها على سلوكها هذا أعنف الزجر ، ويشتدّ عليها في التثريب « 1 » ، وخوّفها غضب اللَّه لغضب رسوله إن لم تقلع وعاودت ما أتت من فعال ، ثم قال : يا بنيّة ! لا يغرّنّك هذه التي أعجبها حسنها ، وحبّ رسول اللَّه لها ، واللَّه لقد علمت أنّ الرسول لا يحبّك ، ولولا أنا لطلّقك « 2 » !
ولقّنها درساً لعلّها تعيه .
* * * ثم كأنّي بزينب حدّثتها نفسها ثالثةً أنّ الثالثة : سَوْدَة بنت زمعة ليست سوى عجوز ، عالية السنّ ، ثقيلة الجسم ، مضطربة المشية ، عاطلة من الجمال ، قد أسرع بها العمر نحو الشيخوخة وإنّها حينئذٍ لفي ثياب العروس !
والحقائق دليل !
« سَوْدَة » لا تنكر ما يعوزها ، وما هي عليه ، وتدرك ألَّا أرب لرجلٍ فيها ، ولا أرب لها في أيّ رجلٍ من الرجال ، فهي تعلم افتقارها للرواء ، وإيغالها في الكهولة إلى أبعد مدىً أو أعمق غور ، وبرودها العاطفي ، وقصور غريزتها النسوية عن التلبية .
ومن ثم فإنّها آثرت أن تنزل عن ليلتها مع النبي لعائشة ضرّتها الحسناء .
ولكم أحزن الزوج الكريم أن يرى هذه السيّدة الطيّبة تعيش مع صويحباتها من زوجاته بكبرياءٍ جريحةٍ ، وأن ترضى هكذا لأُنوثتها أن تُهدَر ، فتتألّم وتصبر ، وأن تشتري بهوانها على نفسها وعليهنّ جواره .
فلولا الرحمة ، لولا قلبه الكبير الذي يتّسع لآلام كلّ الناس ، إذن لدفعته الشفقة
هامش
( 1 ) . التثريب : الملامة .
( 2 ) . أُسد الغابة 5 : 426 ترجمة حفصة .