الميل وهي تحسّ ألَّا مندوحة لها عن الامتثال أو يغضب ، وما غضبه بهيّنٍ ضئيل ، بل عبء فادح وهمّ ثقيل . . . ثم أنزل اللَّه :
« وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ »
« 1 »
.
عندئذٍ لاذت بالطاعة ، وأسلمت نفسها للابتلاء الذي فرضته عليها دعوة السماء .
* * * وأُعلنت الخطبة ، وأُبرم العقد ، وزُفّ العروسان .
لقد تحقّقت إذاً رغبة الرسول ، كان يريد بهذا الزواج أن يطبّق تطبيقاً عملياً مبدأ المساواة بين الناس وقد خلقهم ربّهم متساوين ، ويحطّم الحوائل النفسية التي أقامتها جهالتهم بين أبناء المجتمع الإنساني ، وباعدت بها بين الأفراد والطبقات والفئات والأُرومات : فرداً عن فرد ، وطبقةً عن طبقة ، وفئةً عن فئة ، وأُرومة عن أُرومة .
فمن ذا كان أولى بأن يعينه على هدم حواجز هذا التفريق من تطبيقٍ يأتلف به طرفان متنافران هما نقيض ونقيض ؟
أمّا الأول فامرؤ لم يكن يُحسَب - بنظرة القوم آنذاك - في ذوي الأقدار والمكانات ، إذ هو رقيق عتيق . . . وأمّا الثاني فامرأة من أعظم البيوتات العربية ، هي من محمد بمقام أُخت ، أو بمثابة ابنة ، شرفها عالٍ ، وأصلها أثيل « 2 » ، وحسبها عريق ، وشأوها قمّة القمم التي لا تكاد تستشرق علياءها العيون أوتشرئبّ « 3 » إليها الأعناق .
كان الرسول يرجو لزينب أن تكون أُسوةً ، فلا يستعصي بعدها على غيرها ائتساء .
لكنّ الأيام لم تجئ بما ترجاه . . . لم تستطع السيدة - وإن أطاعت - مغالبة ما انطوت عليه جوانحها من مرارة وضيق بهذا الزواج الذي قضى عليها ، عن غير رغبةٍ
هامش
( 1 ) . الأحزاب : 36 .
( 2 ) . أثيل : شريف ، كريم .
( 3 ) . اشرأبّ للشيء : مدّ عنقه إليه .