منها ، ملبيّة بأن تعيش تحت رجل هو - فضلًا عن انحدار قدره الاجتماعي في عرف القوم - ليس له في رحاب عاطفتها الأُنثوية مكان ، بينما هي من هي طيب منبت ، وعراقة محتد « 1 » ، وبهاء نضرة ، وفتنة حسن تبزّ بها اللدّات والأتراب .
ومن يدري ! فلعلّها يوم مشى إليها الرسول ليخطبها لزيد ، إنّما كانت تظنّ أنّه جاءها يخطبها لنفسه زوجةً تضمّها وإيّاه دار . . . لعلّها في دخيلتها كانت تطمح إليه من تشوّق ورجاء ، وعن إكبار وإعجاب ، بإحساسٍ غامرٍ بأنّها أدنى إليه قرباً ، وأوثق صلةً ، وأحقّ به بمن عداها من النساء .
وماذا عليها من هذا الطموح ؟ لماذا لا تملي لأملها فيه ، والأمل حياة ؟
إنّ أيّة امرأةٍ في العالمين لحرَيّة بأن تصبوا إلى محمد صُبُوّ الضليل في تيه فلاة ، يحترق هواؤها من وقر الحرّ ، إلى واحة شجيرة يفيء منها إلى الماء والخضرة ورطابة الهواء .
فهو بمقياس الكمال البشري أعظم البشر منذ استنسل آدم زوجة حواء ذرّيتهما من بنين وبنات ، وحتّى نتدكّ الأرض وتنفطر السماوات . . . وهو بمقياس الكمال الخلقي المثل الأعلى لكرائم الخلال والخصال . . . وهو بمقياس الكمال الروحي أدنى الخلق إلى اللَّه ، وسيّد من جاء برسالةٍ ، وبشّر بكتابٍ ، ونطق بوحي السماء من الرسل والأنبياء .
فما بالك وقد اجتمعت له كلّ الكمالات ؟
ما بالك وإنّه بكلّ المقاييس الرفيعة لمنفرد بلا قرين ؟
لئن رجته إذاً لنفسها راجية ، فهو بلا شكّ ، شأو الرجاء الذي يلتمع في خاطرها التماع السراب في البرية لمن شفّها الظمأ ، فتقفو بنظرها وفكرها وقلبها شعاعه ، ثم لا تزال تلاحقه لا شعورياً وإن ظلّ يمعن عنها نأْياً في دنى الوهم والتصوّر ، لأنّها إنّما تندفع نحوه بكلّ ذاتها وهي في ملاك سيلٍ جارفٍ من حبّين عظيمين يأخذانها
هامش
( 1 ) . المحْتدِ : الأصل ، يقال : فلان كريم المحتد ، أي الأصل .