فإن تكره الفتاة - أيّة فتاة - على الزواج ممّن يضيق قلبها عنه ، فذاك ادعى لأن تَكره . . . وأن تَكْره فإنّ بيت الزوجة إذاً أوهى من بيت العنكبوت ، وأخلق بأن ينهار ، إذ يقوم أساسه - لو قام - على مثل رمالٍ تنهال ، أو على شفا جرفٍ هار .
فكيف يتأتّى أن يُكره النبي فاطمة وإنّها لأحبّ بناته إليه ، وأحقّهنّ عنده بتوقّي ما يغضبها ، وتلمّس الوسائل والأسباب التي تحقّق لها القناعة في القلب ، والراحة في البال ، والبسمة على الشفاه ، وتضمن المستقبل السعيد ؟
بل لا إكراه !
وهل أكره قبلها زينب ؟ أو أكره رُقيّة ؟ أو أكره أُم كلثوم ؟
الرسول أبعد نظراً من أن يحمل الزهراء على ما لا تشاء ، أقوم نهجاً ، أرفع حكمةً ، أندى خُلقاً ، أوسع سماحةً أوريحيةً .
فإن نسمع أنّ بنات الرسول هؤلاء لم تتمنّعن عندما عرض عليهنّ الخُطّاب ، فليس ذلك لأنّه عليه الصلاة والسلام أملى وفرض ، بل لأنّه - برهف حسّه ، وصدق حدسه - قد استشفّ رضا كلّ واحدةٍ منهنّ ، وعلم مسبقاً بمطابقة رأيها لما يراه .
وهل كان ليسأل إلَّاوقد قرّ في روعه قرار يقين أنّ الجواب إيجاب ؟
* * * بل اللَّه سبحانه يأبى الإكراه بمختلف ألوانه ، يأباه وإن اتُّخذ وسيلةً لنشر عقيدة الإسلام ، لأنّه إهدار لحريّة الفكر ، فضلًا عن أنّ الإيمان موضعه القلب وليس طرف اللسان ، يقول تعالى :
« لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ »
« 1 »
.
ويأباه وإن وقع في ملكية خاصّة على أَمَةٍ مرقوقةٍ لسيّدها حقّ التصرّف فيها تصرّفه في كلّ ما ملكت يمينه من متاع بالبيع والابتياع ؛ لأنّه عندئذٍ يخرج من حدود المباح إلى امتهان كرامة الإنسان ، يقول سبحانه :
« وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى
هامش
( 1 ) . البقرة : 256 .