شعوره ، لم يفه بحرف ، خذلته بلاغة تعبيره ، الصمت وحده كان جوابه ، حتّى همساته تجمعّت على أطراف شفتيه .
ومع ذلك فقد عاود الرسول خطابه ، هذه المرة كان قلبه الكبير هو الذي يحدّثه ، وكانت كلماته مصوغة من حنانه .
كانت أعذب رنّةً ، أنعم نبرةً ، أحلى نغمة .
وكانت أفسح ودّاً ، وأرحب وعداً ، وأفسح للرجاء ساحةً .
إنّها لأحرى بأن تثير في عليٍّ مكنون مشاعره الخفرة ، وأدعى إلى منحه القدرة على أن يوقظ نفسه التي خدرها خجلة ، ويلمّ شتاتها بعد تبدّد وانتثار .
قال له النبي : « لعلّك جئت تخطب فاطمة ! » « 1 » .
فما أن انطلقت هذه العبارة ، حتّى اندفع الدم من عروق الشاب ، تتسابق قطراته إلى وجهه حتّى لأوشكت أن تنبجس من مسامه !
تضرّجت وجنتاه ، برقت عيناه ، وجف « 2 » قلبه يطفر بين جنبيه كما يرفرف جناحا طائر ، وكانت خفقاته سريعة الإيقاع ، لا تخفى حركاتها عن البصر وإن سترها عنه صدره ، كما لا تخفى رنّاتها على السماع .
حتّى إذا فاء قليلًا إلى هدوئه ، وسكن جأشه بعض سكون ، ترنّمت دقّات فؤاده شاديةً بلحنٍ ساحرٍ حلوٍ ، كأنّه نفث داود في الناي ، لم تزد كُسوته اللفظية عن أحرف ثلاثة ، لكنّها أحرف كانت تضمّ أغلى مرامي أحلامه .
همس بصوت غضيض « 3 » ، الحسيس ، خفيض النبرات : « نعم » .
فصبّ الرسول ابتسامةً حلوةً في ناظريه ، وأجاب :
« مرحباً وأهلًا ! » « 4 » .
هامش
( 1 ) . السنن الكبرى 7 : 234 - 235 ، المناقب للخوارزمي : 335 ف 20 ح 356 ، البداية والنهاية 3 : 346 .
( 2 ) . وجف قلبه : أي اضطرب .
( 3 ) . الخضيض : المنخفض .
( 4 ) . كشف الغمة 1 : 364 ، وراجع الأخبار الموفّقيات 375 ح 230 ، والطبقات الكبرى 8 : 20 .