تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 373

مساهمون:

ص٣٧٣
شعوره ، لم يفه بحرف ، خذلته بلاغة تعبيره ، الصمت وحده كان جوابه ، حتّى همساته تجمعّت على أطراف شفتيه . ومع ذلك فقد عاود الرسول خطابه ، هذه المرة كان قلبه الكبير هو الذي يحدّثه ، وكانت كلماته مصوغة من حنانه . كانت أعذب رنّةً ، أنعم نبرةً ، أحلى نغمة . وكانت أفسح ودّاً ، وأرحب وعداً ، وأفسح للرجاء ساحةً . إنّها لأحرى بأن تثير في عليٍّ مكنون مشاعره الخفرة ، وأدعى إلى منحه القدرة على أن يوقظ نفسه التي خدرها خجلة ، ويلمّ شتاتها بعد تبدّد وانتثار . قال له النبي : « لعلّك جئت تخطب فاطمة ! » « 1 » . فما أن انطلقت هذه العبارة ، حتّى اندفع الدم من عروق الشاب ، تتسابق قطراته إلى وجهه حتّى لأوشكت أن تنبجس من مسامه ! تضرّجت وجنتاه ، برقت عيناه ، وجف « 2 » قلبه يطفر بين جنبيه كما يرفرف جناحا طائر ، وكانت خفقاته سريعة الإيقاع ، لا تخفى حركاتها عن البصر وإن سترها عنه صدره ، كما لا تخفى رنّاتها على السماع . حتّى إذا فاء قليلًا إلى هدوئه ، وسكن جأشه بعض سكون ، ترنّمت دقّات فؤاده شاديةً بلحنٍ ساحرٍ حلوٍ ، كأنّه نفث داود في الناي ، لم تزد كُسوته اللفظية عن أحرف ثلاثة ، لكنّها أحرف كانت تضمّ أغلى مرامي أحلامه . همس بصوت غضيض « 3 » ، الحسيس ، خفيض النبرات : « نعم » . فصبّ الرسول ابتسامةً حلوةً في ناظريه ، وأجاب : « مرحباً وأهلًا ! » « 4 » .
هامش
( 1 ) . السنن الكبرى 7 : 234 - 235 ، المناقب للخوارزمي : 335 ف 20 ح 356 ، البداية والنهاية 3 : 346 . ( 2 ) . وجف قلبه : أي اضطرب . ( 3 ) . الخضيض : المنخفض . ( 4 ) . كشف الغمة 1 : 364 ، وراجع الأخبار الموفّقيات 375 ح 230 ، والطبقات الكبرى 8 : 20 .