وسكت لا يزيد . . . وبقي علي هنيهة وهو ناكس الرأس ، رخيّ الجفْنَين ، كأنّما يصغي للصمت الذي أطبق على المكان .
فلمّا أحسّ أنّ مكثه طال - وما كان طال ! خرج والحيرة دليله ، واستقبله لدى الباب بضعة من أهله وأصحابه ، سألوه : أقلت ؟
- « نعم » .
- فماذا كان ؟
فبدا كأنّما كلماته تسبح إليهم على لجّة « 1 » قلقة ، وأجاب : « ما أدري واللَّه شيئاً ! تحدّثت إلى رسول اللَّه بالأمر ، فما زاد على قوله لي : مرحباً وأهلًا » .
فتضاحكوا وبشّروه : يكفيك من رسول اللَّه إحداهما « 2 » !
* * * إذن تحقّقت بشارة السماء ! صدقته الأحلام ، بلغ ما رام .
أُمنية أمانيه الغالية هذه ظلّت تتلألأ كالزهرة « 3 » في أُفق وجوده من فجر صباه ، فيتسامى إليها شوقه ، ثم تنحسر عن مداها يداه ، سنين عدداً وسنين كان يملك شوقه ذلك إليها أن يطلق لسانه ، ويكشف وجدانه ، فيعالج حنينه بجرعات من الاصطبار ! ورغبته هذه الخضراء أبداً راحت تتجدّد في دخيلته ينوعاً « 4 » ونضرة ، فلا تذبل ولا تصفرّ على كرّ الأيام .
سنين عدداً وسنين أخذ يحبوها ذوب روحه ، ويكنّ من قلبه حريز كما تُكنُّ
هامش
( 1 ) . لُجّة الشيء : معظمه .
( 2 ) . البداية والنهاية 3 : 346 .
( 3 ) . الزُهرة : كوكب شديد اللمعان .
( 4 ) . اليُنُوع : النضرة .