تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 372

مساهمون:

ص٣٧٢
لم يعد كما كان حين بدأ السعي ، وزوّى « 1 » في نفسه حديثاً جاء لينفضه أملًا غالياً حلواً ، ورغبةً مضطرمةً مشوّقة . سرعان ما تغيّر ! ثبتت ملامح محيّاه ، هجعت « 2 » رموشه ، خشعت عيناه ، وجبت جوارحه وأعضاؤه . بدا كأنّه كيان من السكون الأجوف ، فلا يكاد يُسمع منه غير صوت الصمت الذي يوشك أن يظهر على شفتيه جَمْدُ أنفاسه ! فلا نَبْسه « 3 » ولا همسة ، لا جرس ولا حسّ ، لا خلجة ولا حركة . . . كلّ ما بقي منه آنئذٍ هو أعصابه ، مكنون أحاسيسه ، هدوء مهلهل يغطّي وجومه ، وبسمة باهتة لا تداري عبوسه . فلمّا أحسّ النبي منه ما يحاول إخفاءه من قلقه واضطرابه ، رأى أن يصل إلى حقيقة هذا الذي يعانيه بمسبار « 4 » نظرةٍ كاشفةٍ غاص بها إلى غيهَب « 5 » أعماقه . عندئذٍ تفتّحت له مغاليق ضميره ، تحدّثت خفايا أفكاره ، تجلّى سرّ أسراره . وتبسّم الرسول . ولماذا الحيرة ؟ لماذا كتمانه ؟ ثم شاء عليه الصلاة والسلام أن يهوّن على الفتى بعض ضغط الحيرة الذي يؤوده ، فمسح على وجهه الواجم بنظرة ترفّقٍ رحيمة ، عسى أن تعيد إليه جنانه الذي تبدّد شعاعاً في أطواء حيائه . فسأله : « ما جاء بك ؟ ألك حاجة ؟ » . فاختلج فمه لحظة ، ما لبث بعدها أن انطبق ليحتبس فيه ما عساه ينمّ عن خَبء
هامش
( 1 ) . زوّى الشيء : نحّاه وصرفه . ( 2 ) . هجع : سكن وهدأ . ( 3 ) . النَبْس : الكلام المسموع . ( 4 ) . المسبار : ما يُسْبَر به الشيء ليُعرف عمقه ومقداره . ( 5 ) . الغَيْهب : الظُلمة .