حتّى التبع والأولياء كانوا يلمّحون برمْق « 1 » شعورهم ، أنّ عليّاً أولى بفاطمة ، وأنّها أولى به وإن تكاثرت عليها الرغبات .
على ما يلوح ، كانوا ضنينين « 2 » بها أن تصبح سكناً لغيره من خيرة الناس ، لا يرتضون لها بديلًا عنه مهما استطال الجاه ، وعلا المقدار بالبدائل والأغيار ، كانت أُمنية أمانيهم أن ينتهي بهما المطاف إلى عشّ الزوجية السعيد .
فهل أغراهم بامتثال ضنّهم ذاك أن ألفوهما عبر السنين متلازمين في كنف النبوّة الكريم تلازماً بلا انفصام ؟
هل عطفهم إليهما أن جمعهما رونق الصبا ، وميعة الشباب كما يجتمع في الوردة الرواء والعبير ؟
إنّ للشباب لسحراً تتداعى له وتستجيب القلوب !
أم الذي خالج نفوسهم في تلكم الآونة هو ذلك الإحساس الإشراقي المُلْهَم الذي يتخطّى بالمرء - أحياناً - مرائي الظروف القائمة ، وصور الواقع الماثل ، إلى الخفيّ المجهول الذي لن يلبث أن يحدث بعد حين وإن كان عندئذٍ غيباً مستوراً ، ليس يدركه حزر الأحداس ، ولا جري الأفكار فضلًا عن عيان الأبصار ؟
وإذا كان بعض الأهل ونفر من خاصّة الصحاب قد تحدّثوا إلى عليٍّ برغبته ، وتدافعوا إلى إماطة حيائه عنه ، ليقدم على مفاتحه رسول اللَّه ، فمن المظنون أنّ أولياءه كانوا الأسبق إلى حثّه على وضع قدمه على أول الطريق ، ليظفر بتحقيق حلم حياته الذي لا مطمع له سواه .
يروي علي : قالت مولاه لي : هل علمت أنّ فاطمة خُطبت إلى رسول اللَّه ؟
قلت : لا .
قالت : قد خُطبت !
هامش
( 1 ) . الرمقة : النظرة .
( 2 ) . ضنّ بالشيء : إذا أمسكه ولم يبرحه .