ائتلاف روح بروح .
وكان يشعر أنّها - بحسّها الرقيق ونفسها الشفّافة - تعلم عنه هذا الذي يخالجه من شعور ، ففي عينيه صور أحاسيسه ، ووراء شفتيه حروف عذراء خفرة « 1 » ، يودّ لو أنّها انتظمت كلمات ينبض جرسها بخفقات فؤاده المتواتر الوجيب « 2 » .
وأثناء حومه المستمرّ حول أبيها كانت ثمّة عاطفة أُخرى - إلى جوار حبّه المطلق لرسول اللَّه - تحرّك أيضاً حركاته .
إنّها لتراه ، ظاهراً وباطناً تراه !
أليست قريبة منه كوتينه ؟ عارفة - كذاته - بمكنون ذاته ؟ امتداداً لكيانه ؟ قارّة في ضميره قرار إيمانه ؟
ولم يكن هؤلاء الصحب أول ولا آخر الذين كاشفوه بأمر الزهراء ، غيرهم كثير ، نفر من أهله حثّوه على البدور « 3 » ، لكنّه كان يحجم مهابةً أن يتحدّث في شأنها وشأنه إلى أبيها ، فدون ذلك العيّ واحتباس اللسان .
وكيف يقدم ؟
وما السبيل ، وبينه وبينها سوران شاهقان ، اجتيازهما عسير عسير : سور من الحياء ، وسور من الفاقة ؟
فمع ملازمته رسول اللَّه ملازمة الظلّ في كلّ وقت إلَّاساعات يقضيها في سعي وعمل أو في تعبّد واعتكاف ، ومع فرط حبّ أحدهما الآخر ، وإلْفه إيّاه إلْف أب لولده ، وولد لأبيه .
مع هذا كلّه ، فقد كان حياؤه من الرسول يغلبه على ثبات جنانه ، فيرتدّ بصره عنه كما يرتدّ عن وهج الشمس المتألّق ولمع البرق الخطّاف بصرك وهو حسير .
هامش
( 1 ) . الخَفِرة : الشديدة الحياء .
( 2 ) . القلب الوجيب : الشديد الخفقان .
( 3 ) . البُدور إلى الشيء : الإسراع إليه .