ووجدوه أخيراً يسقي نخلًا لأحد الأنصار ، كان في مرقعةٍ « 1 » مقطوعة الأكمام ، قصيرة الذيل ، لا تكاد تنسدل على ركبتيه ، قد شدّها حول وسطه بحبلٍ من ليف .
وكان مكدود الملامح ، بادي الإعياء ، يتصبّب عرقاً من فرط الجهد وشدّة الحرّ الذي نشرته الشمس من خلال شعاعٍ يتلهّب كأنّه أسلاك محماة .
ودعوه ، فلبّى النداء ، وكاشفوه بما جاءوا فيه « 2 » : يا علي ، إنّ أهل الشرف والقدم في الإسلام قد قدموا على رسول اللَّه ليخطبوا بضعته فاطمة ، ولكنّه ردّهم ، فلو عرضت نفسك !
ومدّوا إليه الأسماع .
وردّد نظراته على وجوههم هنيهة وقد استغرقه التفكير ، إنّهم يتحدّثون إليه بسرّه ، يترجمون عن وطره « 3 » ، يمسّون الوتر الذي طالما ترنّم في قلبه بأحلامه ، وتراءت له خيالاته حين يقظته ومنامه .
ففي عالمه النفسي - كما في عالمه الحسّي - كانت فاطمة دائماً معه ، كان يشعر أنّ ما يربطهما ليس مجرّد قرابة وأُرومة ، وأصل أثيل ، ليس كما بين فرعين من دوحةٍ « 4 » كريمة ، زكيّة الثمر ، فينانة « 5 » الظلال .
كلّا ، ليست الصلة بينهما « إنسية » ، بل هي « فوق إنسية » « 6 » ! قدسية !
هامش
( 1 ) . المرقعة : الثوب المرقوع .
( 2 ) . انظر ينابيع المودّة 2 : 21 و 22 .
( 3 ) . الوطر : الحاجة ، الرغبة .
( 4 ) . الدوحة : الشجرة العظيمة المتّسعة .
( 5 ) . فينانة الظلال : ممتدّة الظلال .
( 6 ) . فقد روى القندوزي في ينابيع المودّة 2 : 20 - 21 عن أنس قال : بينما رسول اللَّه صلى الله عليه وآله في المسجد إذ قال لعلي : « هذا جبريل يخبرني أنّ اللَّه تبارك وتعالى زوّج فاطمة ابنتي منك ، وأشهد على تزويجكما أربعين ألف ملك من ملائكته المقرّبين ، وأوحى إلى شجرة طوبى أن انثري على الحور العين الدرر واليواقيت ، فنثرت عليهنّ فابتدر الحور العين يلتقطنها ، فهنّ يتهادين بينهنّ إلى يوم القيامة » . وقال أخرجه الملّا في سيرته .