كان الخفر دائماً ، من أدانيه إلى أقاصيه ، ممدوداً حوله كقوس الأُفق كلّما التقى برسول اللَّه وإن لم تكن ثمّة لديه حاجة يريد أن يبسطها بين يديه ، حتّى ليؤثر أنّه كان - وهو في مشهدٍ منه عليه الصلاة والسلام - يوشك ألّا يراه ؛ مهابةً وإجلالًا ، لم تمتلئ قطّ عيناه من محيّاه !
فكيف لو همّ بأن يفاتحه في أمر الزهراء ؟
ذاك الحياء !
فأمّا الفقر فإنّه له رفيق وخَدين « 1 » وقرين . . . أحبّ رفيق ، أخلص خَدين ، ألصق قرين . . . كانا لا يفترقان .
وكانت الفاقة هي كنزه الثمين الذي يحرص عليه ، وتغنى به نفسه ، كأنّما له فيها الغناء كلّ الغناء .
وما الذهب ؟ ما النشب ؟ ما المال ؟
إنّه ليزهد في الحياة ، نفس الحياة ، فهل تراه يحفل كثيراً أوقليلًا بالعروض والمتاع ؟
إنّما الثراء - فيما يرى - كالثرى ، قيمته كقيمة التراب !
وكلٌّ هباء .
وإنّه لراضٍ بأن يعمل لغيره بالدانق والدرهم حتّى تمجل « 2 » وتتقرّح يداه ، وإنّه ليتصدّق أحياناً بما يؤجر به ، ثم يبيت على الطوى إلَّاشربة ماء ، وإنّه ليأكل اليابس الصلب من الخبز بغير إدام ، أو مغموساً بخلّ أو ملح ، فإذا نصيبه من طعامه هذا طوال يومه شبعة وجوعتان ، وإنّه ليلبس الغليظ الخشن من الثياب مرقوعاً ، تتجافى عنه الجوارح ولا تطمئنّ الجنوب .
فما الذي إذاً في يمينه ليُقدّم كما يُقدّم الخُطّاب ؟
* * *
هامش
( 1 ) . الخدين : الصاحب ، الرفيق .
( 2 ) . مجلت يداه : تورّمت ونفطت من العمل .