أنّ الفتاة أدنى إلى أن تكون مدخرة للفتى ، وأنّ الفتى منذور للفتاة .
هذه حقيقة ما نراها كانت مغلّفة في تلكم الآونة بغشاءٍ كثيفٍ من الخفاء ، فكأنّي برفيق الغار حين امتدّ أمامه الزمن والبضعة النبوية ما تزال بعد في مرحلة العذرية ، قد خالجه الأمل في أن يكون هو صاحب النصيب ! ثم كأنّي بصاحبه ابن الخطّاب قد اقتفى أثره عسى أن يظفر بما لم يظفر به غيره من الخُطّاب !
والأمل عادةً ملحاح ، أو هو مطيّة عنيدة حرون « 1 » ، من يمتطيها يعديه منها عنادها ، فيسرف في التشبّث بها لعلّه أن يروّضها وإن هي نبت عنه ونفرت به وشردت كلّ مُشرّد ، وإن هو علم كم جمحت قبله بفرسان مقاديم « 2 » ، ونفضتهم واحداً بعد آخر عن ظهرها لقىً على أرض المضمار !
أما وقد جاءهما البيان على لسان من لا يمين ، فقد فاءا إلى تلك الحقيقة المغلّفة ، وأدركا أنّ فاطمة - بأمر السماء - نصيب مقسوم لمن هو خير منهما ، وممّن عداهما من المسلمين .
ومن ذا خيرٌ من علي في صفوف الإيمان ؟
الآن أشرق النهار ، تلألأ النور ، تبلّجت « 3 » الحقيقة سافرة بلا حجاب !
فكأنّي بالألسن قد لاكت تلك الأحاديث ، وكأنّي بخبرها قد ذاع ، وملأ الأسماع ، وكأنّي بالرجلين قد بلغهما - فيمن بلغ من الناس ، وقبل سواهما من الناس - ذلك الأمر القدسي الذي ذُكر وروده عن الرسول فوعياه .
عندئذٍ أدركا أنّ الزهراء جلّت وعلت عن كلّ مجالات التنافس بين الأكفّاء ، أيقنا أنّ الأمر أمانة واجبة الأداء ، وهل من شيءٍ أحقّ بالأداء من كلمة السماء ؟
واجتمعا إلى نفرٍ من خاصّة صحاب الرسول ، وتحدّثت الآراء ، ثم انتهوا إلى قرار .
فما أن توثّقت عزيمتهم حتّى انطلقوا إلى الشاب الموعود . . . والنسوة هنا وهناك ،
هامش
( 1 ) . دابة حرون : عنيدة ، غير منقادة .
( 2 ) . المقاديم : جمع مقدام ، الكثير الإقدام ، المبالغة في الشجاعة .
( 3 ) . تبلّج الشيء : إذا وضح وظهر .