« إنّ الشمس والقمر آيتان من آيات اللَّه ، لا تُخسفان لموت أحدٍ ولا لحياته ، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة » « 1 » .
ثم وجم وذرفت عيناه ، وألقى نظرةً من خلال ضباب عبراته على جثمان عزيزه المرتحل عن هذه الدنيا إلى جوار ربّه الكريم ، وناجاه : « يا إبراهيم ، لولا أنّه أمر حقّ ، ووعد صدق ، وأنّ آخرنا سيلحق بأولنا ، لحزنّا عليك أشدّ من هذا » .
ووجم هنيهة ثم قال : « تدمع العين ، ويحزن القلب ، ولا نقول إلَّاما يرضي الربّ ، وإنّا يا إبراهيم عليك لمحزونون » « 2 » .
* * * كلّا ، لم يتجهّم لموت « رقيّة » وجه الوجود ، ولا غيّر الرسول منهاجه اليومي أيّ تغيير .
فهو يتلقّى الوحي ، وهو ينشر الدعوة ، وهو يهذّب النفوس ، وهو يشارك في الحياة العامة ، فيفرح لرفاق طريقه في السرّاء ، كما يأسى لهم في الضرّاء .
كان يعيش معيشته كغيره من الناس ، فإن يكن رسولًا فإنّه بشرٌ . . . إنسان .
ولماذا يدع أشواك آلامه النفسية حرماً مباحاً يسيمون فيه حتّى تغصّ به الحلوق وتُدمى الأجواف ؟
بل قضت رأفته أن يشغلهم عن همومه الخاصّة ، ويطويها في فؤاده طيّاً ؛ لإنّه أولى منهم بما يشجيه . . . إنّه يستقبل الحياة معهم بوجهٍ جديدٍ ، وبكلمةٍ حلوةٍ ، وبضحكةٍ مرنةٍ ، وبتفاؤلٍ يرفع عن كواهلهم بعض ما يكابدون من معاناة .
أم تراه يقنط من روح اللَّه ؟
حاشاه !
هامش
( 1 ) . أخرجه البخاري 1 : 352 كتاب الكسوف ب 1 الصلاة في كسوف الشمس ح 993 عن أبي بكرة و 356 ب 6 الصدقة في الكسوف ح 997 عن عائشة و 361 ب 17 الصلاة في كسوف القمر ح 1014 عن أبي بكرة .
( 2 ) . أخرجه مسلم 4 : 1807 - 1808 كتاب الفضائل ب 15 رحمته صلى الله عليه وآله وتواضعه ح 62 ، والبيهقي في السنن الكبرى 4 : 69 كتاب الجنائز باب الرخصة في البكاء .