أصبحت تقيم . . . فذاقت بمستقرّها القديم مرارة المساءات من أهل الشرك ، وعانت لواعج الشجن إذ فقدت « القاسم » و « عبداللَّه » و « خديجة » ، ثم « رقيّة » الآن في بضعة أعوام . . . بدا كأنّما قد ترفّق بها زمنها أخيراً ، وأقبل عليها يدقّ بابها وهو يلوّح بغصن زيتون .
سالمتها الأيام ، حملت إليها بشرىً ليس مثلها في البشارات ، أقبلت في موكب زفاف .
فحين تينع البنت صباً ، وتزدهر فتوةً ، وتبلغ مبلغ النضج لبنات حوّاء ، وتشاركها في حبّ الأب الغالي زوجة غيداء « 1 » . . . عندئذ يلوح لمن ينظرون إلى الصلات البشرية بعيون الواقع اللاحظات أنّ الأوان قد آن لتستقلّ الابنة ببيت جديد .
هذه هي سنّة الحياة .
فها قد دخلت عائشة بيت محمد ، لتشغل فيه مكانة ربّة الدار . . . وها قد نضجت الزهراء شابةً حسناء ، ريّانة الصبا ، حوراء قمراء .
الجمال كساء ، والشرف أصل ، والكمال خُلُق ، والفضل طبيعة ، والعزّة تراث .
فمن ذا إذاً في الرجال لا يطمح إلى مثلها حليلة وإن كاد الطامح يشبه من يشبّ على أصابع قدميه ليلمس بأطراف أنامله أنجم السماء ؟
بل ذاك أمل كأنّه سراب !
ولكن تهافتت عليها آمال ، وتطلّعت نحوها عيون ، وترامت إليها ألباب !
* * * لكنّ الأثر لم يقدّم لنا سوى القليل .
قيل : ذهب عبد الرحمان بن عوف إلى الرسول يخطبها منه ، ومن ورائه ذخر من المناقب والمكارم يسدّده خطاه ، فيه سبقه إلى الإسلام ، ومقام في قومه رفيع ، وثروة
هامش
( 1 ) . الغيداء : الناعمة .