يتزوّد منها بنظرة وداع ، واعتصر الألم صدره ، ودمعت عيناه ، وبكت من حوله الهاشميات ، ونساء الأنصار اللّاتي اجتمعن آسيات .
وكان عمر في الحاضرين . . . فلعلّه حيئذاك خشي أن يزيد ندب النسوة في تفطّر قلب نبي اللَّه ، فصرخ فيهنّ يزجرهنّ زجراً عنيفاً ليقلعن عن التفجّع والنشيج .
لكنّ الرسول ردّه عنهنّ برفق ، وهو يقول : « مهما يكن من العين والقلب فمن اللَّه والرحمة ، ومهما يكن من اليد واللسان فمن الشيطان » « 1 » .
فكفّ عمر وفاضت الأدمع عسى أن تطفئ حرف الشجن ولواعج الفراق .
* * * وظلّت الشمس تغيب لتبزغ ، وتبزغ لتغيب ، وظلّ كوكب الأرض يدور في فلكه ويدور ، وظلّ موكب الزمن يسير . . . فلا حركة الحياة تبطئ أو تتوقّف لموت إنسان ، ولا هي تنشط ويستخفّها السير لمولد إنسان .
ويوم فقد النبي ولده « إبراهيم » بعد يوم الفرقان ببضع سنين ، وانطفأت بموته البسمة الحلوة التي كانت ترفّ على ثغر الزمان ، وغيّب الثرى « 2 » وجه الصغير الذي كان أُنساً وسلوىً لأبيه ، كما غيّب قبله وجوه إخوته وأخواته أجمعين إلَّاالزهراء ، يومذاك تبدّت آية من آيات اللَّه كاد يفتن بها الناس .
فلقد وافق موت « إبراهيم » كسوف الشمس واختناق ضوئها عن الوجود ، فإذا فريق من المسلمين يحسبون كسوفها صورة لحزن نبيّهم على فقيده الحبيب انعكس على صفحة السماء ، وإذا هم يردّدون عندئذٍ : انكسفت الشمس لموت « إبراهيم » !
ورقأ « 3 » محمد بعض دمعه ، وغالب شجوه على فتاه ، ثم وقف في أصحابه يقول :
هامش
( 1 ) . أخرجه أحمد 1 : 335 مسند عبداللَّه بن عباس .
( 2 ) . الثرى : التراب .
( 3 ) . رقأ الدمع : كفكفه حتّى سكن .