بخيلائها تحاول أن تكذّب رسولك ، اللّهم فنصرك الذي وعدتني ، اللّهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تُعبد » « 1 » .
ثم راح يحّرض المؤمنين : « والذي نفس محمد بيده ، لا يقاتلهم اليوم رجل فيُقتل صابراً محتسباً ، مقبلًا غير مدبر ، إلَّاأدخله اللَّه الجنة » « 2 » .
ونشب القتال .
فإذا هو منجل حصاد ، وإذا هو رحىً تدور . . . المنجل يحشّ ، والرحى تطحن ، حتّى تساقط المشركون أشلاء ونثائر ، إلَّامن استسلم خاسئاً للأسر ، أو لاذ ذليلًا بأذيال الهروب .
* * * وسبقت أنباء النصر في بدر إلى المدينة قبل أن يقفل رسول اللَّه راجعاً إليها بيوم ، حمل البشرى زيد بن ثابت وعبداللَّه بن رواحة ، أولهما على ظهر راحلته ، والثاني على ظهر « القصواء » ناقة رسول اللَّه وتعالت الأصوات بالهتاف والتكبير ، القلوب ترقص نشاوى . . . العيون تتألّق بالابتسام . . . الوجوه تتهلّل بالفرحة .
لكن ثمّة قلباً كان ينتفض انتفاضة طائر ذبيح . . . ذاك قلب الزهراء .
إنّه ليحاول كتمان أساه ، فيرجُّهُ الأسى رجّاً عنيفاً كأنّما انفجر فيه بركان ، ويشرق بدمه الفوّار كما يشرق الحلق بالدموع ، ويجتر مع حزنه الداهم الآن ذكريات مواجد السنين المواضي التي أفعمته إلى حافّته بالأوجاع .
فلقد ماتت اليوم أُختها « رقيّة » الحبيبة ، قضت في يوم الفرقان . . . مع بشرى النصر في بدر نعق ناعق المنون ليضيف همّاً جديداً إلى قلبها الملتاع .
وعندما آبَ « 3 » الأب كانت الابنة الراحلة تتّخذ طريقها الأخير للتراب ، وما كاد
هامش
( 1 ) . راجع البداية والنهاية 3 : 268 وما بعدها ، وتاريخ الطبري 2 : 131 ذكر وقعة بدر من حوادث سنة 2 ه .
( 2 ) . راجع المصدرين السابقين .
( 3 ) . آب : رجع ، عاد .