وكان الرسول خير أُسوةٍ تحتذيها « 1 » ، ويحتذيها معها كلّ منافحٍ « 2 » يعمل على توطيد « 3 » حرّية الكلمة ، النابعة من اليقين .
فلقد علّمهم أنّ الدين سلوك ، علم يُبتغى فيه وجه اللَّه ، وخير البشرية جمعاء ، لا خير جماعةٍ دون جماعة ، أو جنسٍ دون جنس ، أو فرد يتطلّع إلى صالحه الخاصّ أو يعمل رئاء الناس .
إنّه إسلام القلب والمشاعر لربّ هذا الوجود . . . تجرُّد من الأنانية ، إخاء في الإنسانية ، رحمة وتوادّ ، هجرة إلى اللَّه .
فما كان عَبَثاً دَأب « 4 » محمد طوال ما مضى من أعوام على غرس أشرف الفضائل ، وأرفع القيم ، وأسمى المثل في الصدور ، لا بالكلام الرائع والعبارة البليغة ، إنّما بترجمة محكم التنزيل إلى أفعال .
بل كان عليه الصلاة والسلام كالماء الرائق النقيّ الذي ينضح عنه إيمانهم الصافي الشفّاف .
أم من ذا أحقّ منه بأن يكون الأُسوة المثلى للبشرية ، يحتذيه أبناؤها في كلّ زمانٍ ومكانٍ ، في كلّ قولٍ وفعلٍ وتقرير ؟
أم لِمَ اختاره اللَّه - حين بعثه رسولًا - من بين خير خلقه خيرهم أجمعين ؟
أطيبهم خلقاً . . . أطهرهم نفساً . . . أعظمهم فطنةً . . . أصلبهم عزماً . . . أكملهم شخصيةً يعزّ نظيرها في البشرية ، ولا يطاولها أسمى إنسان في جنس الإنسان .
وحين تشهد له الزهراء بقدره الرفيع هذا الذي يضرب في السموّ إلى أعلى سماء ، فإنّها لا تشهد له فقط لأنّه أبوها الذي اقتطعت من صلبه كما اقتطع من آدم وجود حوّاء ، ولا لأنّ بنوّتها تعطفها عليه ، ولا لأنّها خَبَرته خبرة عشرة ومعايشة بالعقل
هامش
( 1 ) . احتذى بالشيء : اقتدى به .
( 2 ) . المنافح : المكافح .
( 3 ) . توطيد : تثبيت .
( 4 ) . الدَأب : الجهد .