والغواية ، كانت الدنيا تناديهم : هلمّوا وهيت ! لا يحرّفهم شيء من ذلك عن الصراط ، وإنّما يزيدهم ثباتاً وصلابةً ، فيصمّون عنها الآذان ، ويطوون دونها الكشوح « 1 » ، ويديرون نحوها الظهور .
كانوا صادقي العقيدة ، عميقي الإيمان ، كلّ حركةٍ يأتونها من سلوكٍ هي تطبيق لكلّ حرفٍ من حروف التنزيل .
فليست العقيدة مجرّد فرائض تُؤدّى ، وشعائر تُقام ، وليس الإيمان بتسليمٍ أخرس بما جاءتهم به دعوة السماء . . . ليس حِكَماً مزجاة ، ليس أحاديث تُروى لتلقّفها الأسماع .
لقد انتهت مرحلة النظرية ، ومرحلة الاستيعاب ، وأوغلوا في مرحلة الإنجاز والإيجاب ، والأعوام التي قضوها ، قبل يومهم هذا ، كانت تجربةً مُرّةً من العمل الدائب والجهد الشاقّ .
فكم طوّعوا قلوبهم وجوارحهم للصبر والثبات والكفاح ! وكم قطعوا من أشواط من التضحية والبذل والفداء !
كانوا مثلًا يعزّ في الأمثال على مدى تاريخ الإنسان ، لكأنّي بهم قد اتّخذوا من أنفسهم « وسائل إيضاح » تحسن البيان للذين اتّبعوهم عن الجهاد في سبيل عقيدتهم كيف يكون ، ولقد أحسنوا البيان .
* * * وكانت الزهراء طرفاً بين هذه الوسائل التي ترسم القدوة للناس ، فما زالت أُذُناها ممتلئتين بكلمات أبيها لها يوم « البلاغ » : « يا فاطمة بنت محمد ، لا أُغني عنك من اللَّه شيئاً » « 2 » .
هامش
( 1 ) . الكَشْح : ما بين الخاصرة إلى الضلع الخلف ، وطوى فلان عنّي كَشْحه أي قطعني .
( 2 ) . أخرجه ابن حجر في فتح الباري 2 : 531 ، وابن سعد 2 : 46 ، ورواه مسلم 1 : 192 كتاب الإيمان ب 89 ح 350 بلفظ « لا أملك » بدل « لا أُغني » .