ولا يعلّم الخفّة والمرح والانطلاق .
ما القول في فتاةٍ لم تكد تستكمل مرحلة طفولتها حتّى تفقد حضن الأُمومة الدافئ الحنون ؟
ثم تحمل على كاهلها الواهن تبعة بيتٍ ، ليس كغيره من البيوت ، تسير الحياة فيه بين جزرٍ ومدٍّ ، كلاهما يذهبان إلى الأقاصي : افتقاراً إلى العون ، ورزوحاً « 1 » تحت أكداس من المشكلات .
ثم تنهض بأُمور أبٍ أيّمٍ « 2 » ، اختطف الموت منه شريكةً كانت تحبوه الحبّ والرعاية ، وتقوم معه في نشر رسالته - بكلّ ما أوتيت من قوّة روح ، وقدرة بذل - كما لم يقم رجال أجلاد ذوو عزائم ، حتّى لوجب أن يدعوها الناس : حاضنة الإسلام .
ثم تعايش أباها محن المهانة والتكذيب والتعذيب التي أخذ يصبّها عليه قومه صباح مساء ، فلا يكون قصارى جهدها لدرء شرّهم عنه إلَّادمعةً تذرفها بين يديه ، ودعوةً خاشعة إلى اللَّه ، وشعورها عندئذٍ شعور ابنةٍ وفيّةٍ ، وشعور أُمّ رؤوم .
ثم تمرّ بها الليالي والأيام ، فلا يكاد يتّصل منها الحول بما يليه حتّى يكون في أحبّ أهلها إليها فقيد تبكيه ، أو شهيد ترثيه .
رحلت أُمّها عنها وهي بعد برعم غضّ لم يتفتّح ، ولا استوى له عود ، وذهب إلى ربّه عمّه الكبير أبو طالب الذي كان الصخرة التي يحتمي بها ابن أخيه محمد من نصال الأحداث ، وغربت من سماء دنياها شموس أخواتها الحبيبات : رقيّة وزينب وأُم كلثوم ، واعتصر الموت غصن أخيها إبراهيم الذي كان قرّة عين أبيها الشيخ الذي جاوز الستين ، وقلبه النابض خارج صدره أمام العيون .
ومن قبل أُولئك جميعاً سبق الردى إلى أخويها : القاسم وعبداللَّه ، فمضيا وهي عندئذٍ حمل في بطن الغيب لم يحن موعد خروجه إلى النور .
هامش
( 1 ) . رَزح الرجل رزوحاً : سقط على الأرض ولم يستطع النهوض هزالًا أو تعباً .
( 2 ) . الأيّم : الرجل الذي فقد زوجته أو المرأة فقدت زوجها . وتأيّم : مكث زماناً لا يتزوّج .