تناولوا بأقلامهم ذلك العهد المبكّر من عهود الدولة الإسلامية ، فراحوا - عن تعصّب وتحزّب - يلغون في سيرة الزهراء ولوغ الكلاب ، متكلّفين ذرائع موهومة ودّوا أن تنال من قدرها الرفيع ، وتشوّه صورتها النفسية والبدنية أمام العقول والعيان .
فإن لم يكن سوء النيّة هو دافعهم إلى هذا التكلّف ، فأي شيءٍ غيره يكون ؟
لقد كانت لهم مندوحة « 1 » عن جنوحهم إلى الافتراء ، بعد أن توفّرت لهم وسائل البحث والتحقيق ، وبعد ما تيسّرت لهم دقّة الاستنباط ، بانفساح آفاق مراجعة الرأي على أُسس علمية وموضوعية ، كما تستند إلى النصّ تستند أيضاً على ما وراءه من عوامل - حدثية ونفسية - الإحاطة بها ، ولمّ شتاتها يفسح المجال لإحكام التقدير .
لكن الهوى غلّاب « 2 » ، والمتحيّز لا يميّز ، فانظرهم كيف يعتسفون « 3 » الأسباب !
إنّ الزهراء - في رأيهم - إنّما عزف « 4 » عنها الخُطّاب سنين عدداً ، لأنّها كانت تفتقر إلى ما يجعل الرجل العربي - أيّ رجلٍ - يقبل على اختيارها شريكة حياة ! !
فهي ضامرة هزيلة ، والأزواج حينذاك يفضّلون المرأة ممتلئة الجسم ، ريّانة القوام ، وهي موسومة بالحزن ، مكتئبة المزاج ، وما من بيتٍ يرفرف عليه التشاؤم كبيت قعيدته لا يعرف وجهها الابتسام ، وهي ليست على ذكاءٍ ملحوظ ، وبُعد نظرٍ ، وسعة حيلة ! ! ثم هي فوق هذا لم تكن ذات نصيبٍ من الوسامة يمكن أن توصف معه بالجمال ! !
فإذا اجتمع كلّ ذلك إلى المعيشة الضنك التي كانت تحياها ، فما الذي يبقى منها ليجذب إليها الخُطّاب ؟
ويستند « 5 » أُولئك الذين كادوا يجرّدونها ممّا يزيّن الفتاة ، إلى ندرة ما ورد عنها
هامش
( 1 ) . مندوحة : بعيدة .
( 2 ) . الغلّاب : صفة مبالغة للغالب .
( 3 ) . اعتسف الشيء : إذا مال به بعيداً عن الصواب .
( 4 ) . عزف عن الشئ : مال عنه .
( 5 ) . عمر أبو النصر في كتابه « فاطمة بنت محمد » ( المؤلّف ) .