الأب على التعجيل يتزويج ابنته وهي لمّا تكد تخلع إهاب « 1 » الطفولة ، اتّقاء تلك المخطورات التي ادّعاها قومه ، وادّعاها آباؤهم الأولون ؛ تعلّلًا بها لوأْد البنات
فكراهية إنجاب الأُنثى في ذلك المجتمع العربي أمر معلوم ، وخلاص الآباء من بناتهم بقتلهنّ ؛ مخافة العار ، لم يكن منكراً يعاب ! بل كان منحىً مطروقاً من مناحي السلوك العام ، وكان أحياناً يعدّ في المكرمات !
وقديماً قال شاعرهم :
لكلّ أَبٍ بنتٌ يُرجَّى بَقَاؤُها * ثلاثةُ أصهارٍ إذا ذُكِرَ الصهرُ
فَبيتٌ يغطيّها ، وبَعْلٌ يصُونها * وقَبرٌ يواريها ، وخيرهم القبر !
ومن مأثوراتهم : أحبّ أصهاري إليَّ القبر « 2 » ! !
وقد سجّل اللَّه عليهم سلوكهم البغيض هذا في قوله :
« وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَ يُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ »
« 3 »
.
* * * لا غرابة إذاً في أنّ أُناساً قريبي عهدٍ بسنين الجاهلية ، قد نظروا إلى تأخّر زواج فاطمة من خلال العوامل البيئية والتقليدية ، ومن ثم رأوه منافراً للقاعدة الاجتماعية العامة ، ومخالفاً للعرف المألوف .
ولم يصيبوا التوفيق ، ولا أحسنوا استقراء الأوضاع .
ذلك أنّ نظرتهم لم تكن محيطة ، بل سطحية ، مشدودة إلى ماضيّهم المظلم ، فتعذّر عليهم التحرّر من ربقة الفكر الجاهلي القديم .
إنّما الغرابة الحقّة تأتينا في كتابات كثيرٍ من جماعات « الاستشراق » الذين
هامش
( 1 ) . الإهاب : الجلد ما لم يدبغ .
( 2 ) . « آل النبي صلى الله عليه وآله » لبنت الشاطئ ( المؤلّف ) .
( 3 ) . النحل : 58 و 59 .