سرّ تتحطّم دون اقتحامه عبقريات الأفكار . . . وأمّا المادة فجسد من تراب وماء ، صلاصل كالفخار ، هيكل من طينٍ لازبٍ « 1 » ، متراكب بعضه فوق بعض : سِلْخاً سِلْخاً ، وقشوراً على قشور .
ثم هو امتداد من الماضي في الحاضر ، ومن الحاضر في الغد المجهول ، منبسط مشعّ الجوهر ، معتمّ المظهر ، متناقض التكوين ، فيه يجتمع النور إلى الظلمة ، والوجود إلى العدم ، والحركة إلى الجمود .
قطرة سابحة في بحر الكون الذي لا يكاد يُعرف له برّ ، ولا يحدّه حصر ، قطعة من ثرى الأرض ذات مساحيق من مسافةٍ أو مدىً ، ومن وقتٍ أو مدّةٍ ، أولهما شكل جليّ منظور ، هو المقدار ، يُقاس طولًا وعرضاً بالمقاييس البُعدية ؛ كالأفتار والأشبار . . . وثانيهما أجلّ خفيّ مقدور ، هو العمر ، يُقاس خفقاً ونبضاً بالمقاييس الحِينية ؛ كالأيام والشهور .
فإذا انطلقت بالمرء النُّهُر والليالي ، تراكمت أعدادها عليه أطباقاً : قشرة فوق قشرة ، حتّى يستوفي دوره في هذه الدنيا ، ويختفي بدنه في التراب .
تلك عاجلته ، وإنّها لإلى زوال .
ثم إنّها مراحل : من طفولة وغلومة ، ومن فتوّة وشباب ، ومن كهولة وشيخوخة . قد ينقصف عود بعضها وهو في ريعانه ، وقد يرد صاحبها إلى أرذل العمر حتّى ليظنّ أنّه يباري الخلود .
وما ها هنا على الأرض من خلود ، فكلٌّ محدود بنهاية ، كلّ مرحلةٍ بحساب ، ولكلّ أجلٍ كتاب .
وعندما نزلت فاطمة تلك الدار الجديدة ، لصق المسجد النبوي بالمدينة ، كان الزمن يمضي بها على تمهّل ، فوق طريق هذه الحياة .
* * *
هامش
( 1 ) . الطين اللازب : اللاصق الصلب ، المتداخل بعضه بعضاً .