وكانت السقوف من جريدٍ ، دانية ، لا تكاد ترتفع إلَّاقليلًا عن قامة الرجل الطوال ، يقول الحسن بن علي : « كنت أدخل بيوت النبي ، وأنا غلام مُراهق ، فأنال السقف بيدي ! » .
أمّا الأدوات المنزلية فأقلّ وأهون ما كانت تتطلّبه الحياة البيتية في ذلك الزمان من ضروريات تفي بعض الوفاء بأغراض الشرب والغسل وإعداد الطعام ؛ كالسُقاء والرحى وبضعة من آنية الفخار .
وأمّا الفُرُش فخشنة ، أدنى إلى أن تقضّ المضاجع منها إلى أن ترتاح فوقها الجُنوب ! فهي وسائد مشدودة بليفٍ أو بشريطٍ من خوص ، بعضها حشوه إذخر وهو نبات طيّب الريح ، وبعضها حشوه صوف عذري ، لم تكد تتناوله يد بالتهذيب .
وأمّا الأثاث فمتواضع رخيص ، إنّه بسط من جلد جافّ ، وسُتُر من خَيْشٍ « 1 » مضطرب النسيج ، وسِجْف « 2 » من قماش متنافر السدى واللُحم ، غليظ الخيوط .
لا هيئة ثراء .
لا مظهر اكتفاء .
لا أثر لزخرفٍ أو ترف .
بل معالم تتحدّث بالجشوبة والشظف ، ونقص متاعٍ إلى حدّ الإدقاع « 3 » .
ولا غرو .
فما هذه الدنيا في نظرة الرسول إلَّاهباء ، ولو أنّه شاء لأوتي كنوز الأرض والسماء ، ولكنّه ليس يرضى من الحياة إلَّابما يقيم أوده ، ليؤدّي رسالة اللَّه .
كفاه شبعة واحدة وجوعتان ، كفاه أن يشتري أُخراه بأُولاه ، أليس هو القائل : « ما يسرّني أنّ لي مثل أُحد ( ذهباً ) أنفقه في سبيل اللَّه ، أموت وأترك منه قيراطين » .
هامش
( 1 ) . الخَيْش : واحده خَيْشة ، وهي نسيج خشن من الكتّان .
( 2 ) . السِجْف : قماش يُجعل ستراً عند الأبواب والشبابيك .
( 3 ) . حدّ الإدقاع : أي أقلّ حدٍّ متصورّ ، والإدقاع يعني الالصاق بالأرض .