إنّما كان مسجد الرسول بالمدينة ، وكما ينبغي أن تكون المساجد ، متّسعاً لكلّ صنوف النشاط البشري الذي ينفع الناس .
فهو مسجد « جامع » يضمّ مختلف أنواع السلوك التي توافق طبيعة الإسلام ، إنّه متعبَّد ومتهجَّد ، ومكانٌ لبثّ الدعوة ، ومدرسةٌ للتفقيه ، وملتقىً للوافدين لاعتناق الدين ، ومأوىً وملاذٌ لمن ليس لهم من المؤمنين مأوىً ولا ملاذٌ ، ومجمعٌ للمسلمين حين الاستنفار لدفع الأعداء ، وموقعٌ لعلاج الجرحى والمصابين ، ودارٌ للندوة ، ومقرٌّ للحكم .
وعندما وصل محمد إلى « يثرب » بعد هجرته ، واستخفّت الفرحة قدمها للقائه ، وتخاطف كثيرون منهم مقود ناقته ، كلّ فريقٍ يحاول أن ينيخها بمنازلهم ، ليكون لهم شرف حلوله بين ظهرانيهم . . . ردّهم عليه الصلاة والسلام عن ذلك ، وقال لهم : « خلّوا سبيل ناقتي » وقال : « دعوها فإنّها مأمورة » « 1 » .
ثم ألقى بخِطام « 2 » الناقة على غاربها ، وتركها تمضي إلى حيث أراد لها اللَّه أن تمضي ، وأن تبرك على حيثما أراد لها البروك .
وبركت الدابّة على مربد سهل وسهيل ابني عمرو ، فابتاعه النبي ، وخطّ عليه مسجده على هيئة فناء فسيح ، رفعت جدرانه الأربعة من آجر وتراب ، وسُقِّف جانبٌ منه بسعف النخيل ، وتُرك جانبٌ آخر مكشوفاً . . . فكان بعضه مأوىً ومرقداً لفقراء المسلمين ممّن لا منازل لهم ولا ديار . . . . ثم بنى الرسول بيته حافّاً بالمسجد كقطعةٍ منه ، وعلى نفس طرازه ، كأنّما عنى أن تكون داره مدد ذلك النشاط البشري المتعدّد الشعب والجوانب ، وأن يتلاءم البناءان ، طرازاً وهيئةً ، حتّى ليبدو كلٌّ منهما وإنّه لمتمّم للآخر .
كانت الدار لصيقة بالمسجد ، ومطلّة على فنائه . . . . وكانت بضع حُجرات بسيطة بغير زخرف ، بعضها من جريدٍ يمسكه الطين ، بعضها من حجارةٍ مرصوصةٍ . . . . بابها بغير حلقةٍ يطرقها الطارق ، اكتفاءً بقرعه بالأظافر عند الاستئذان للدخول « 3 » .
هامش
( 1 ) . راجع البداية والنهاية 3 : 200 .
( 2 ) . الخِطام : كلّ ما يوضع في أنف البعير ليُقاد به .
( 3 ) . « آل النبي صلى الله عليه وآله » لبنت الشاطئ ( المؤلّف ) .